علي عبدالله صالح والتحالف القاتل

الثلاثاء 5 ديسمبر 2017 00:45:59
علي عبدالله صالح والتحالف القاتل
بي بي سي

لم يتردد علي عبد الله صالح خلال مسيرته السياسية التي ناهزت ثلاثة عقود في التحالف مع ألد أعدائه للحفاظ على حكمه وتعزيز مواقعه، وأخر حلقة في سلسلة تحالفاته كانت مع الحوثيين بعد أن حاربهم عدة مرات أثناء وجوده في السلطة فتحالفا عندما خرج منها. انهار هذا التحالف قبل أيام قليلة فجاء رد فعل الحوثيين عنيفا وحاسما، ليلقى صالح مصرعه على يدهم في 4 ديسمبر/كانون الثاني 2017

قال علي عبد الله صالح ذات يوم: "إن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين"، وتطبيقا لهذه المقولة نجح صالح في التحول إلى لاعب لا غنى عنه في حكم اليمن حتى بعد خروجه من الحكم في أواسط 2011 عقب موجة احتجاجات ضد حكمه الذي استمر ثلاثة عقود.

نجح صالح في البقاء في الحكم كل هذه المدة رغم الأزمات والحروب الداخلية والصراعات القبلية والتي عصفت باليمن، فضلا عن نشاط الجماعات المتطرفة مثل فرع تنظيم في "شبه الجزيرة العربية" وهذا يعود الى حد كبير الى البراغماتية التي تمتع بها. فقد وقف مثلا إلى جانب العراق عندما غزا الكويت عام 1990 لكن ذلك لم يمنعه من التعاون مع الولايات المتحدة عقب هجمات سبتمبر 2001.

نشأة متواضعة 

لم يتلق علي عبدالله صالح -الذي ولد عام 1942 في قرية بيت الأحمر التابعة للعاصمة صنعاء تعليما نظاميا. فقد بدأ دراسته في كتاب قريته وعندما بلغ السادسة عشر انضم إلى القوات المسلحة، وواصل الدراسة أثناء الخدمة في الجيش.

وكان صالح من بين العسكريين الشباب المسؤولين عن التخطيط لانقلاب السادس والعشرين من سبتمبر/ أيلول عام 1962 وتنفيذه.

وجرت ترقيته في عام 1963 إلى رتبة ملازم ثان ثم تدرج بالمناصب العسكرية. وجرح خلال الحرب الأهلية التي وقعت عام 1970 بين الجمهوريين والملكيين الذين كانت تدعمهم السعودية.

وشارك صالح في انقلاب عسكري عام 1974، وفي 11 أكتوبر/تشرين أول 1977 قتل الرئيس إبراهيم حمدي وشقيقه في ظروف غامضة ثم خلفه أحمد الغشمي في رئاسة الجمهورية لأقل من سنة وقتل بدوره ليصبح صالح رئيسا للجمهورية اليمينة (اليمن الشمالي) في أغسطس/آب عام 1978.

واعتمد صالح على أسرته وأهل الثقة في إدارة أمور البلاد بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضده في أواخر عام 1979. وأصبح في عام 1982 أمينا عاما للمؤتمر الشعبي العام وهو الحزب الحاكم في اليمن.

تطبيع

ومن أهم ما تحقق في فترة حكمه تطبيع العلاقات مع جارة اليمن الشمالية، المملكة العربية السعودية، وتتوج ذلك باتفاق ترسيم الحدود بين البلدين بعد أن كادت تلك المشكلة أن تسبب أزمة حادة في العلاقة بين اليمن والسعودية التي تحتضن عددا غير قليل من العمالة اليمنية.

وكانت أزمة الجنوب أخطر الأزمات واجهت صالح عندما كان في الحكم فقد اندلعت حرب أهلية عام 1994 بعد سنوات قليلة من وحدة اليمن.

فقد تم احتيار صالح رئيسا لليمن الموحد عام 1990 في حين أصبح رئيس اليمن الديمقراطية (الجنوبية) علي سالم البيض نائبا للرئيس. وأعيد انتخاب صالح رئيسا لمجلس الرئاسة في أكتوبر/ تشرين الأول 1993.

لكن سرعان ما استفحل الخلاف بين الرئيس ونائبه البيض الذي اعتكف في عدن قبل اندلاع حرب ضارية بين قوات الشطرين الشمالي والجنوبي في صيف عام 1994 انتهت بانتصار صالح.

لكن الانتصار العسكري على الجنوبيين لم ينتج استقرارا أمنيا. فقد ظل الجنوبيون يعتبرون أنفسهم مهمشين ولا دور لهم في حكم البلاد بينما تصاعد نشاط الحوثيين في صعدة إضافة إلى النشاط المتنامي لتنظيم القاعدة في اليمن.

ومع عودة المقاتلين اليمنيين الذي حاربوا في افغانستان ضد القوات الروسية إلى اليمن برزت مخاطر جديدة حيث وفرت البنية القبلية للمجتمع اليمني لهم الحماية وفرصة النمو والانتشار.

فاستغل صالح تهديد القاعدة المتنامي للظهور بمظهر الرائد في الحرب على الإرهاب، خاصة في أعقاب تعرض سفارتي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا لهجومين داميين عام 1998 وهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001.

وشهدت السواحل اليمينة هجوما انتحاريا بقارب ملغم ضد البارجة الأمريكية يو اس اس كول قرب ميناء عدن، أسفر عن اعطاب البارجة ومقتل 17 بحارا أمريكيا.

كما انتشرت أعمال الخطف التي كانت تستهدف الأجانب وتحولت إلى ظاهرة. وكان يتم اطلاق سراح المختطين إما عبر دفع فدية أو اطلاق سراح سجناء لدى الحكومة ام منح الحكومة للخاطفين امتيازات قبيلة.

تعاون أمني

سمح صالح للقوات الأمريكية بشن هجمات جوية بواسطة طائرات من دون طيار ضد عناصر القاعدة في اليمن، وغالبا ما كانت الغارات تسفر عن سقوط مدنيين أبرياء مما اثار الغضب في اوساط اليمنيين ضد تعاون صالح مع الامريكيين الذي وصل إلى درجة السماح لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية للعمل في اليمن مقابل الحصول على دعم اقتصادي أمريكي.

كما قام مدربون أمريكيون بتدريب قوات يمنية خاصة وتقديم الدعم لها في مكافحة الجماعات الارهابية.

في يونيو/تموز 2004 قاد عضو البرلمان السابق والمقرب من إيران وحزب الله حسين الحوثي تمردا مسلحا في محافظة صعدة في الشمال فتم قمعها بالسلاح وسقط خلالها المئات من القتلى. وشهدت صعدة عدة حروب لاحقا بين قوات الحكومة والحوثيين.

وخلال أحداث الربيع العربي أثبت الأكثر عنادا ضمن الزعماء العرب في مواجهة الثورات، لكن في 23 أبريل/نيسان 2011 أعلن الحزب الحاكم موافقته على المبادرة التي طرحتها دول مجلس التعاون الخليجي لإنهاء أزمة اليمن. لكن صالح بقي في صنعاء ينسج خيوط التحالف مع الحوثيين الذين حاربهم مرارا ليتحالفا ويسيطرا على صنعاء ومعظم ارجاء البلاد ويفر الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى عدن أولا ثم الى السعودية.

وفي مارس/آذار 2015 اطلقت السعودية عملية "عاصفة الحزم" بشن غارات جوية واسعة على اهداف الحوثيين وقوات صالح وترافق ذلك مع فرض حصار بحري وجوي بري من حين إلى آخر.

وتمكنت القوات الموالية لهادي والمدعومة بقوات سعودية وإماراتية من السيطرة على أكثر من نصف مساحة اليمن بينما صمد تحالف الحوثيين وصالح العسكري رغم ضراوة الغارات التي ادت الى مقتل اكثر من عشرة آلاف مدني ومأساة ومجاعة لم يشهد العالم مثيلا لها منذ عقود. لكن نهاية صالح جاءت مع أول شرخ في تحالفه مع الحوثيين.