نيويورك تايمز: اقتصاد إيران المتهاوي يمنعها من مواجهة الولايات المتحدة

الثلاثاء 14 يناير 2020 18:05:49
testus -US

تعاني إيران من أزمة اقتصادية بائسة، منذ تطبيق الولايات المتحدة الأمريكية للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، إذ ارتفعت معدلات البطالة وأسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع الأساسية، وأدى تقلص الاقتصاد الإيراني السريع إلى تفاقم الاستياء الشعبي.
وقطعت العقوبات المشددة التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصول إيران إلى الأسواق الدولية، ما أضعف الاقتصاد الذي يتقلص الآن بمعدل سنوي يبلغ 9.5%، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
ووفقا لصحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، انخفضت صادرات النفط إلى الصفر تقريبا في ديسمبر/ كانون الأول، مع منع العقوبات للمبيعات، على الرغم من أن المهربين قاموا بنقل كميات غير معروفة من النفط.
وبحسب الصحيفة، يبدو أن الاقتصاد المتهاوي يقوض استعداد إيران لتصعيد الأعمال القتالية ضد الولايات المتحدة، حيث يدرك قادتها أن الحرب يمكن أن تفاقم مشكلتها الاقتصادية بشكل كبير، وفي الأشهر الأخيرة، ظهر الغضب العام من البطالة والقلق الاقتصادي والفساد كتهديد وجودي محتمل للنظام الإيراني المتشدد.
مقتل سليماني وإسقاط الطائرة الأوكرانية
ومنذ أسبوع واحد فقط، أعيد توجيه هذه المشاعر نحو الولايات المتحدة، بسبب الغضب من قتل إدارة ترامب للقائد العسكري الإيراني، قاسم سليماني، في 3 يناير/ كانون الثاني، ولكن الاحتجاجات اندلعت من جديد مطلع الأسبوع الجاري في طهران، واستمرت حتى اليوم، بعد اعتراف إيران الصادم بأنها على عكس الإنكار الذي دام لمدة 3 أيام، مسؤولة عن إسقاط الطائرة الأوكرانية.
وعبرت المظاهرات بشكل واضح عن ازدراء الشعب، بسبب تستر النظام الإيراني على فعلته بعد إسقاطه الطائرة الأوكرانية، الذي أودى بحياة جميع الركاب والطاقم البالغ عددهم 176 شخصا، ولكن الغضب في الشوارع كان يتضمن توبيخ النظام على مظالم أوسع، بما في ذلك انخفاض مستوى المعيشة والقلق المالي والشعور بأن النظام عاجز عن مواجهة المشاكل الهائلة.
التضخم المالي
تبلغ نسبة التضخم في إيران نحو 40%، ما أدى إلى معاناة المستهلكين من ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع الأساسية، وأصبح 1 من كل 4 شبان إيرانيين متعطلين عن العمل، كما أثرت البطالة على خريجي الجامعات بشكل خاص، وفقا للبنك الدولي.
ويبدو أن الضربات الصاروخية التي أطلقتها إيران على القواعد الأمريكية في العراق الأسبوع الماضي، ردا على مقتل الجنرال سليماني، قد تم اختيارها لتمكن قادة إيران من إعلان أخذها لثأرها دون إثارة رد فعل شديد من الرئيس ترامب، مثل القصف الجوي، لأن من شأن نشوب صراع مع الولايات المتحدة، التي تعتبر أقوى قوة عسكرية على الأرض، أن تجعل الحياة أكثر صعوبة للإيرانيين العاديين، إذ من المرجح أن تضعف العملة وتؤدي إلى تفاقم التضخم، وتهدد ما تبقى من الصناعة الوطنية، وتقضي على الوظائف وتثير الضغط العام على القيادة.
ويمكن أن يهدد الصراع بالضغط على البنوك المحلية أكثر، عن طريق عرقلة أعمال الشركات، فحتى الآن تتجنب الشركات الإيرانية الانهيار بفضل زيادة حجم الائتمان من البنوك.
ووفقا لبحث أعده عدنان مزاري، وهو مدير سابق لمؤسسة التمويل الدولية، وزميل في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن حاليا، ”تسيطر الحكومة الإيرانية على حوالي 70% من الأصول المصرفية، ويقدر البرلمان الإيراني أن نصف جميع القروض المصرفية تقريبا متأخرة“.
وأضاف أن العديد من الشركات الإيرانية تعتمد على البضائع المستوردة لصنع وبيع المنتجات، من الآلات إلى الصلب إلى الحبوب. وإذا انخفضت عملة إيران أكثر، فسوف يتعين على تلك الشركات أن تدفع أكثر مقابل هذه السلع، وبذلك يتعين على البنوك إما تقديم المزيد من القروض أو ترك الشركات تنهار، ما يضيف ذلك إلى صفوف المتعطلين عن العمل.
وكان البنك المركزي يمول الإنفاق الحكومي، ويسد الثغرات في ميزانية ممزقة للحد من الغضب العام من التخفيضات. وهذا يستلزم طباعة النقود الإيرانية، ما يزيد من الضغوط على العملة. ويمكن أن تدفع الحرب الإيرانيين الأكثر ثراء إلى سحب الأصول من البلاد، ما يهدد بمزيد من الانخفاض في العملة وخروج التضخم عن السيطرة.
وبذلك تواجه القيادة الإيرانية خيارا غير مستساغ، وهو مواصلة دعم الشركات بالائتمان، ما يزيد من مخاطر حدوث كارثة مصرفية في نهاية المطاف والتضخم المفرط، أو اعتماد إجراءات التقشف التي قد تتسبب في معاناة عامة فورية، ما يهدد بمزيد من التظاهرات في الشوارع.
ويقول مزاري: ”هذا هو الشبح الذي يحوم فوق الاقتصاد الإيراني، فالوضع الاقتصادي الحالي غير مستدام“.
وعلى الرغم من أن هذه الحقائق تحد من رغبة إيران في التصعيد، فإن بعض الخبراء يشيرون إلى أن المتشددين في النظام قد يتقبلون في نهاية المطاف الأعمال العدائية مع الولايات المتحدة، كوسيلة لتحفيز الاقتصاد المنكوب.
اقتصاد المقاومة
بعد عزلها عن المستثمرين والأسواق الدولية، ركزت إيران في السنوات الأخيرة على صياغة ما يسمى باقتصاد المقاومة، الذي استثمرت فيه الدولة بقوة بتدعيم الصناعات الاستراتيجية، بينما تسعى لاستبدال السلع المستوردة بالإنتاج المحلي.
ويقول الاقتصاديون إن تلك الاستراتيجية لم تكن فعالة، ما زاد من الضغوط على ميزانية إيران والنظام المصرفي، ولكن يبدو أنها زادت من فرص العمل.
وقد يرى المتشددون في إيران أن القتال مع عدوهم اللدود، الولايات المتحدة، كفرصة لتوسيع اقتصاد المقاومة مع تأجيج الغضب القومي تجاهها، هو أمر مفيد لهم سياسيا.
بدورها، قالت خبيرة الاقتصادي السياسي بجامعة أكسفورد، ياسمين ماثر: ”سيكون هناك من يجادل بأنه لا يمكن للنظام الإيراني الاستمرار دون حرب، فلطالما كان العيش في أزمة مفيدا للحكومة الإيرانية، لأنها تستطيع إلقاء اللوم في جميع المشكلات الاقتصادية على العقوبات، أو على التهديد الخارجي للحرب، ففي العامين الأخيرين، كانت إيران تسعى لتشتيت الانتباه عن المشكلات الاقتصادية“.
ومهما كانت خطوات قادة إيران التالية، يرجح الخبراء أن المخاوف الاقتصادية لن تكون الأولوية القصوى لدى إيران، إذ يضع قادة البلاد بقاء النظام كأولوية قصوى. وإذا كانت المواجهة مع القوى الخارجية تبدو وسيلة واعدة لتعزيز قبضتهم على السلطة، فقد تعتبر القيادة المخاطرة الاقتصادية ثمنا مقبولا.
من جهتها، قالت نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز أبحاث تشاتام هاوس في لندن، سانام فاكيل: إن ”المتشددين على استعداد لإفقار الناس للبقاء في السلطة، فإيران لا تتخذ قراراتها بناء على المصلحة الاقتصادية البحتة“.
ومع ذلك، كل ما على قادة إيران فعله هو النظر إلى المنطقة لرؤية المخاطر التي يمكن أن تشكلها الأزمة الاقتصادية عليهم، ففي الأشهر الأخيرة، شهد العراق ولبنان تظاهرات غاضبة مدفوعة جزئيا بانخفاض مستويات المعيشة، وسط الفساد وإساءة استخدام السلطة.
المخاطر الاقتصادية تهدد النظام الإيراني
وفي الآونة الأخيرة، بدا أن الحالة الاقتصادية المحفوفة بالمخاطر في إيران تشكل تهديدا أساسيا للنظام، وبينما سارعت الحكومة لتأمين الأموال لتمويل المساعدات للفقراء والمتعطلين عن العمل، بإلغاء الدعم عن البنزين، ما أدى إلى ارتفاع سعر الوقود بنسبة تصل إلى 200%، أثار ذلك احتجاجات غاضبة في شوارع المدن الإيرانية، حيث طالب المتظاهرون علنا بإقالة الرئيس حسن روحاني.
وتقول خبيرة شؤون الشرق الأوسط في جامعة أكسفورد الاقتصادية في لندن، مايا سينوسي: ”هذه علامة على مقدار الضغط الذي تتعرض له القيادة الإيرانية“.
ويقول الخبراء أيضا إنه بمقتل سليماني، خفف ترامب فعليا من الضغط المحلي الذي تتعرض له القيادة الإيرانية، ما قوض من فاعلية عقوباته.
ففي إيران، اعتبرت العملية انتهاكا للسيادة الوطنية ودليلا على أن الولايات المتحدة تحمل نوايا خبيثة، ما سرق الأضواء من الشكاوى التي أشعلت فتيل تظاهرات نوفمبر/ تشرين الثاني، والتي تضمنت الاستياء من ارتفاع الأسعار وانتشار الفساد وسوء التصرف الاقتصادي، وسلطها على سليماني الذي اُعتبر بطلا وطنيا، وبدا أن البلد المليء بالمظالم الموجهة مباشرة إلى كبار قادته قد اتحد ضد الولايات المتحدة.
ويقول أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، فواز جرجس: إن ”مقتل سليماني يمثل نقطة تحول، ليس فقط من حيث توجيه الانتباه بعيدا عن المشكلات الداخلية، ولكن أيضا نحو تعزيز النزعة الوطنية لدى الإيرانيين“.
فقد مدت الضربة الأمريكية القيادة الإيرانية بفرصة لتغيير الحوار الشعبي، إذ انتقل تركيز الإيرانيين من السياسات الاقتصادية المضللة والفاشلة للنظام الإيراني، إلى ”العدوان المتعجرف للولايات المتحدة ضد الأمة الإيرانية“.
إلا أن ذلك التغير لم يدم، حيث جاء اعتراف الحكومة بالمسؤولية عن إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية، ليعكس المسار مرة أخرى، ويعيد قادة إيران كهدف لتظاهرات الشوارع الغاضبة.
قمع التظاهرات
وفي الوقت الحالي، يسعى النظام إلى قمع التظاهرات بشرطة مكافحة الشغب، ونصح المتظاهرين بالعودة إلى ديارهم، ولكن إذا استمر الغضب الشعبي، فقد يلجأ المتشددون إلى تهديد المصالح الأمريكية على أمل أن تجبر المواجهة ترامب على التفاوض بشأن صفقة تهدف إلى إلغاء العقوبات.
مضيق هرمز
وتقول الصحيفة الأمريكية إن إيران قد تهدد مرور سفن نقل النفط عبر مضيق هرمز، وهو معبر أكثر من خمس استهلاك العالم من النفط السائل. ومن شأن انقطاع مرور السفن هناك أن يؤدي إلى تقييد إمدادات النفط العالمية، ما يرفع سعر السلع الحيوية. وهذا يمكن أن ينذر بالخطر في الأسواق العالمية مع الحد من النمو الاقتصادي العالمي، ما قد يعرض محاولة حملة ترامب الانتخابية القادمة للخطر.
وقالت فاكيل: ”إنهم يرون أن التصعيد هو السبيل الوحيد لإعادة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، فلا يمكنهم الاستسلام والوصول إلى طاولة المفاوضات، لأن ذلك سيظهر ضعفهم. ولذلك يحاولون اظهار أنهم يمكنهم التصعيد حتى يكون لهم بعض النفوذ على طاولة المفاوضات“.