السيف العفيف

فضل الجعدي

كل الكلمات والعبارات ومشاعر الألم لا تترجم حجم الخسارة الفادحة بفقدان قائد عسكري بحجم الشهيد سيف علي صالح العفيف ، طليعة المحاربين واحد ركائز الجيش الجنوبي الباسل ، والخسارة هنا هي خسارة مرجعية عسكرية فذة معاصرة شهدت منعطفات هامة في تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية ولعبت ادوارا استثنائية في التاريخ الجنوبي المجيد  وعلى امتداد مراحله المشرقة في زمن الدولة والنظام والمؤسسة العسكرية التي صاغت البطولات وملاحم الانتصارات ، وبالتالي فالحديث عن هامة عسكرية كالشهيد العفيف هي بمثابة الحديث عن مدرسة من الكفاءة والقدرات والقيم والمبادئ ومعاني الشرف الخالدة ..

لقد كان احد القيادات الصادقة التي اصطفت مع مطالب الشعب في الجنوب منذ الوهلة الاولى التي اطلقت بها عصابات صنعاء رصاصة الرحمة على مشروع الوحدة في حرب صيف 94 القذرة ، وكان الشهيد ضمن القيادات العسكرية التي تولت زمام المواجهة في تلك الحرب دفاعا عن الجنوب ومكتسبات ثورته ، وقد ناله ما نال كوادر الجنوب العسكرية من اقصاء وتهميش ومقاعدة قسرية ، على ان كل ذلك لم ينل من عزيمته وكبريائه ، وظل شامخا بمبادئه شموخ الجبال الشماء التي لا تأبه لحجم الرياح والعواصف ..

قائد استثنائي سطر اروع صور التضحية وكان في مقدمة الصفوف وفي خطوط النار الامامية بمواجهة العدو الحوثي وجها لوجه في صورة غير اعتيادية ونادرة ان يكون قائد لواء في خط النار الاول لإنقاذ سرية من منتسبي اللواء الذي يقوده ، مضحيا بنفسه من اجل فك الحصار عنهم في موقف أسطوري لن ينساه التاريخ ، وتلك ان لم تكن ملحمة بطولة فماذا ستكون اذا ، وان لم تكن ابلغ مواقف الفداء ، فماذا نسميها ، بل كيف سيدونها التاريخ في صفحاته لانها مواقف ابلغ من اي تعبير ومهما تعددت صيغ شرحها الا انها تبقى اكثر إبهارا من اي معنى .

إن بعض الخسارات لها طعم العلقم ، موحشة كليل صحراء ، كونها تشكل فراغا يصعب ان يملأه احد ، ولعل الشهيد العفيف سيف كان أبرز هذه الخسارات القاصمة للظهر والتي لا يمكن تعويضها بمرور الايام ، عاش محاربا وارتقى الى ربه محاربا ، وبين حياته وموته تأريخ ناصع من النبل والعفة والشرف ومن النضال والتضحيات .
قائد جسور كان اكثر حرصا على حياة من يقودهم بنفس درجة حرصه على حقوقهم ، أحبوه كأب وقدروه كقائد وتعلموا منه ابلغ دروس حب الوطن ، بل تعلمنا منه جميعا واحببناه جميعا وبكيناه جميعا ، وشكل رحيله المهيب فاجعة ورزء في مرحلة هامة من المراحل التي يمر بها وطننا وقضيتنا وفي الوقت الذي ما أحوجنا به لهؤلاء الرجال الاستثنائيين بخبراتهم وعنفوانهم وقدراتهم على صناعة المآثر والامجاد والبطولات ..

توقف نبض قلب الشهيد سيف ولم يتوقف نبض قلب القضية التي حملها ، قضية التحرير واستعادة الدولة الذي يستدعي مزيدا من التلاحم لمواجهة المؤامرات وقوى الإرهاب والكهنوت الطائفي وكل الادوات التي تضمر للجنوب الشر ، وإن الغصة والالم بفقدان شهيدنا لا توازيها أي غصة وأي ألم ، وعزاؤنا الصادق بذلك الفقدان يتمثل بالوفاء لكل القيم العظيمة التي عاش من اجلها ودفع حياته ثمنا لها وغرسها في نفوس ابنائه الذين ساروا على خطاه ، قيم الوفاء والتضحية والشجاعة والاقدام والنبل ، ولننتصر لكل القضايا التي ناضل من أجلها وفي مقدمتها قضية شعبنا الجنوبي العادلة وحقه في الحرية وتقرير المصير .

انه مهما تحدثنا فلن نستطيع ان نعدد مناقب وصفات شهيدنا الجسور ، فلينام قرير العين ، ولروحه السلام والخلود
وإنا على الدرب سائرون ..


مقالات الكاتب