من الدولة المفقودة إلى النكف القبلي

د. عيدروس النقيب

ما تشهده محافظة البيضاء ومنطقة آل عواض على وجه الخصوص، أمرٌ مؤسفٌ ومؤلمٌ للغاية، وهو جزء من الجرح المؤلم الكبير الناجم عما ابتلى الله به اليمنيين في الشمال والجنوب على السواء، من حكمٍ بائدٍ قام على الطغيان وسياسات الاحتواء والهيمنة ونظام العصابات، وشرعيةٍ لم تتعلم من أخطاء سلفها وراحت تكرر نفس تجاربه البائسة والخائبة، وانقلابيين ادعوا أنهم جاءوا لإنهاء الظلم والاستبداد والفساد فعاثوا في البلد ظلماً وعدواناً واستبداداً وفساداً أشد وأنكى مما تصنعوا الثورة ضده، ومعارضةٍ لم يعد بينها وبين من تعارضهم مسافات ولا حدود.

لست هنا في وارد مناقشة الأفراد لكن لأن الفرد في اليمن وفي كثير من الأحيان قد لا يكون مجرد إنسان بل إنه قد يفوق بفعله وقدراته ما تمتلكه وما يمكن أن تفعله الدولة فإن حديثي في ما يلي عن الزميل النائب البرلماني ياسر العواضي يخص مقامه ومكانته وليس شخصه الذي لدي الكثير من الأسباب مما يجعلني أحترمه.

كان الزميل ياسر العواضي محل تقدير واهتمام ورعاية خاصة من قبل الرئيس علي عبد الله صالح، وقد أوصله الرئيس إلى أعلى مراتب المؤتمر نفوذاً وسلطةً وإمكانياتٍ، وصار القائد المؤتمري الأصغر سناً ممن تولوا المهمات البرلمانية والحزبية (نائب رئيس الكتلة البرلمانية ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان والأمين العام المساعد للحزب الحاكم حينها قبل وبعد التحالف مع الحوثيين الذين قتلوا الرئيس صالح بعد تحالفه معهم) لكن نفوذ الزميل ياسر كان يفوق نفوذ كثير من القادة الستينيين والسبعينيين وكان يمكنه كقائد شاب يتابع التطورات العالمية في أنظمة الحكم وكيفية بناء مؤسسات العمل الديمقراطي ودولة الأنظمة والقوانين أن يقدم من النصائح للرئيس (حينها) عن كيفية صناعة توازن مجتمعي يحمي للبلد كينونتها ويقضي على عوامل انقراض الدولة أو يخفف من تأثير تلك العوامل.

ليس هذا وقت الندب ولا وقت التهكم، ولا وقت للشماتة (والعياذ بالله)، لكنه يمكن أن يكون وقتاً تتم فيه المراجعة الممكنة والمطلوبة.

لقد تألمت كثيراً وأنا أقرأ منشورات الزميل العواضي التي يهدد فيها بالنكف القبلي ويتوعد بثورة تنطلق من البيضاء ضد من يحكمون صنعاء والشمال، ثم يتودد لعبد الملك الحوثي ويستعرض حسناته، ويشكو إليه ما يفعله رجاله في البيضاء وأبنائها بعد مقتل إحدى المواطنات على يد أحد رجالات عبد الملك.

لا بد من الإقرار أولاً بواجب التضامن مع أهلنا في البيضاء ومع كل ضحايا الظلم والطغيان في كل اليمن شمالاً وجنوباً، لكنني أشير هنا إلى أن كلام الزميل ياسر العواضي يلخص مأساة اليمنيين مع حكام أغوتهم قدرتهم على سحق خصومهم فنسوا أن الزمن ماكر وأنه قد يثأر منهم بوسائله التي قد لا ترى لبعض الوقت، وهو (أي كلام الأخ ياسر) يبين بنفس الوقت مأساة من افتقدوا إلى مظلة وطنية لها من المشروعية ما يؤهلها لحماية مواطنيها بغض النظر عن الاعتبارات والمواقف السياسية والمقامات القبلية والعشائرية، وإنصافهم ممن يستقوي عليهم ويتحكم بحياتهم وموتهم ويلوي أذرعهم بقوة الهيمنة وسطوة الإكراه.

كان الزميل ياسر ومثله الكثير من القادة المؤتمريين في مواقع تمكنهم من الحفاظ على كيان الدولة (المفترضة) حينها من خلال احترام إرادة الشعب، وتقديم القليل من التنازلات (للشعب لا لأحدٍ سواه) وحينها كان يمكن الحفاظ على الدولة والكيان الوطني والشعب والسيادة الوطنية، وحينها كان يمكن الاستغناء ليس فقط عن التودد لزعيم الجماعة الحوثية، بل كان يمكن الاستغناء حتى عن النكف القبلي الذي مهما كانت قدراته خارقة أو سحرية (إن كانت فعلاً كذلك) فهي لا تصنع وطناً ولا تبني مستقبلاً ولا تردع ظالماً ولا تعيد حقّاً.

الزميل العواضي ومعه المئات من القادة المؤتمريين يدارون الخيبات التي وقعوا فيها وأوقعوا فيها كل البلد شمالاً وجنوباً من خلال الثأر للشهيدة البيضانية الشريفة وينسون أن مأساتها ليست سوى جزء من مأساة أكبر وأشمل هي مأساة الوطن كل الوطن.

سيرسل الحوثي ألفي كلاشنيكوف أو أكثر وسينحر مائة ثورٍ أو أكثر وستنتهي قضية الشهيدة البيضانية الأبية، لكن هل حللتم قضية الوطن ومستقبله؟؟؟

الصراع في البيضاء ليس على خلفية مقتل الشهيدة عليها رحمة الله ومعها كل شهداء المقاومة في البيضاء وكل البلد في الشمال والجنوب، بل إنه صراعٌ بين حقٍ يراد له أن يُدفَنَ وشعبٍ يبحث عن هذا الحق ويتمسك به كأمرٍ كليٍ ومطلقٍ لا يقبل التجزئة والتقسيط وبين أدعياء جاؤوا ليستبدلوا طغياناً بطغيانٍ أشدَّ وأعظمَ، أما الذين يقسطون هذا الحق من خلال البحث عن حلول مجتزأة أو جانبية، فإنهم بما يفعلون لا يختلفون عما فعله ذلك الحطَّاب الذي أراد أن يحمي شجرته وحدها من الحريق الذي يلتهم الغابة كاملةً.
" وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"


مقالات الكاتب