الجنوب وتكلفة الصمود.. دماءٌ غالية ترسم حدود الدولة

الاثنين 6 إبريل 2026 18:05:14
testus -US

رأي المشهد العربي

في منعطف خطير، شهدت مدينة المكلا بمحافظة حضرموت فصلاً جديداً من فصول القمع الممنهج، حيث واجهت قوات سلطات الأمر الواقع، المدعومة إقليمياً، الاحتجاجات السلمية بآلة حرب حقيقية.

استخدام الرصاص الحي بشكل مباشر ومكثف ضد الصدور العارية للمتظاهرين لم يكن مجرد خطأ ميداني، بل تصعيداً عسكرياً مدروساً يرقى إلى مستوى "الجرائم الجسيمة" والانتهاكات الصارخة لمواثيق حقوق الإنسان الدولية.

أسفرت الاعتداءات الوحشية، عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى في صفوف المدنيين الذين لم يحملوا سوى أعلامهم الوطنية وهتافاتهم المطالبة بالعيش الكريم واستعادة الحقوق المسلوبة. إن هذه الوحشية تعكس حالة من الإفلاس السياسي، حيث تحاول القوى المهيمنة فرض واقع "الاحتلال" بقوة السلاح، متوهمةً أن الرصاص قادر على كسر إرادة شعبٍ آمن بهويته.

رغم الرصاص والقمع، جسّدت جماهير شعب الجنوب في حضرموت ومن خلفها كافة المحافظات موقفاً مشرفاً، ملبيةً النداء الوطني بكل عنفوان. هذا الاحتشاد لم يكن مجرد تظاهرة، بل كان استفتاءً شعبياً متجدداً تحت النار. لقد أثبت أبناء الجنوب أنهم الحارس الأمين لمكتسباتهم الوطنية، وأن محاولات ترهيب الحواضر الجنوبية لن تزيدهم إلا إصراراً على انتزاع سيادتهم.

بالتوازي مع صمود المكلا، حققت التحركات الشعبية نجاحاً استراتيجياً في العاصمة عدن، تجلى في إعادة فتح مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي بزخم جماهيري غير مسبوق.

هذا التزامن بين صمود حضرموت وتلاحم عدن يبعث برسائل قوية في اتجاهين إحداهما للداخل وذلك للتأكيد على وحدة المصير الجنوبي من المهرة إلى باب المندب، وأن أي اعتداء على شبر من أرض الجنوب هو اعتداء على كيان الشعب بأكمله.

وهناك رسالة أخرى للخارج موجهة إلى المجتمع الدولي والقوى الإقليمية تتضمن التشديد على أن المجلس الانتقالي ليس مجرد كيان سياسي، بل هو تعبير مؤسسي عن إرادة شعبية صلبة لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها في أي تسويات قادمة.

الدماء التي سُفكت في المكلا هي "وقود الحرية" الذي لن ينطفئ. وعلى القوى الدولية أن تدرك أن لغة القمع لن تجلب استقراراً، بل تعمق الفجوة وتؤكد صوابية خيار الاستقلال.

والالتفاف الشعبي حول القيادة الجنوبية في هذا الظرف الحرج يمثل صخرة صلبة ستتحطم عليها كل المؤامرات، معلنةً بوضوح "لا صوت يعلو فوق صوت الشعب، ولا إرادة تكسر حق الجنوبيين في دولتهم وكامل سيادتهم".