الإمارات والجنوب.. علاقة استراتيجية عُمدت بالتضحيات ورسمت ملامح الاستقرار
يُمثل الدور الإماراتي في الجنوب العربي نموذجًا استثنائيًّا للتحالف الاستراتيجي الذي يتجاوز حدود الدعم العسكري التقليدي ليشمل بناء منظومة حياة متكاملة.
هذا الحضور، الذي اتسم بالسخاء والتضحية، لم يكن مجرد استجابة لظرف حرب، بل كان رؤية عميقة لإعادة الروح لمؤسسات الدولة وحماية الهوية الوطنية الجنوبية من مشاريع الهدم والإرهاب.
على المستوى العسكري، شكل الدعم الإماراتي حجر الزاوية في تأسيس وتأهيل القوات المسلحة الجنوبية بمختلف تشكيلاتها، ولم يقتصر الأمر على التسليح والتدريب، بل برزت الإمارات كشريك ميداني فاعل في معارك تطهير الجنوب من التنظيمات الإرهابية.
وتعد تجربة "النخبة الحضرمية" في تحرير المكلا من تنظيم القاعدة، وتأمين العاصمة عدن من الخلايا النائمة، نماذج واقعية تؤكد أن الدور الإماراتي كان "مشرط الجراح" الذي استأصل الأورام السرطانية الإرهابية، مما وفر بيئة آمنة للملاحة الدولية في خليج عدن وباب المندب.
إنسانياً وخدمياً، تحركت الأيادي الإماراتية البيضاء عبر "هلالها الأحمر" لإعادة نبض الحياة في الجنوب. في العاصمة عدن، كان التدخل الإماراتي حاسماً في إنقاذ قطاع الطاقة من الانهيار الكامل، من خلال تزويد المحطات بقطع الغيار والوقود، وصولاً إلى المشروع الاستراتيجي الضخم "محطة الطاقة الشمسية" التي تمثل نقلة نوعية نحو الطاقة النظيفة.
وفي قطاع التعليم والصحة، تمت إعادة تأهيل مئات المدارس والمستشفيات (مثل مستشفى الجمهورية) التي دمرتها الحرب، لتعود الخدمة للمواطن الذي عانى ويلات الحصار والتهميش.
لم يغفل الدعم الإماراتي الجوانب التنموية المستدامة؛ فمن دعم الموانئ والمطارات لتفعيل الحركة التجارية، إلى تقديم المساعدات الغذائية العاجلة التي وصلت إلى أبعد المناطق النائية في سقطرى ولحج. إن هذا الدعم الشامل يعكس إدراكاً إماراتياً بأن تثبيت النصر العسكري لا يكتمل إلا باستقرار معيشي وأمني يلمسه المواطن في تفاصيل يومه.
البصمات الإماراتية في الجنوب باتت جزءاً أصيلاً من ذاكرة الاستقرار والنهوض. إنها شراكة عُمدت بالدم في ميادين القتال، وبالعطاء في ميادين البناء.
واليوم، ينظر الجنوبيون إلى هذا الدور بتقدير عالٍ، باعتباره الركيزة التي مكنت الجنوب من الوقوف على قدميه مجدداً، ومواجهة التحديات بصلابة، في طريق استعادة دولته وبناء مستقبله الواعد بعيداً عن قوى التطرف والفساد.