ما رسائل الرئيس الزُبيدي في ذكرى إعلان عدن وتأسيس المجلس الانتقالي؟
رسائل شديدة الأهمية بعث بها الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، في خطاب إلى شعب الجنوب في الداخل والخارج، بمناسبة ذكرى إعلان عدن التاريخي وتأسيس المجلس الانتقالي.
الرئيس الزُبيدي خاطب المواطنين بالقول: "أيها الشعب الجنوبي العظيم في الداخل والخارج، يا جماهير الصبر والثبات، يا من حملتم قضية وطنكم بإيمان لا يلين وإرادة لا تنكسر، نحييكم اليوم في الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، هذه المناسبة التي لا نراها يوماً للاحتفال بقدر ما نراها محطة لتحمل المسؤولية وتجديد العهد مع هذا الشعب العظيم الذي منحنا ثقته، وحمّلنا أمانة الدفاع عن تطلعاته المشروعة في الحرية والكرامة وبناء دولته المستقلة".
أضاف الرئيس: "الرابع من مايو لم يكن لحظة إعلان عابرة، بل كان لحظة تفويض تاريخية حملتمونا فيها مسؤولية التعبير عن إرادة الجنوب في مرحلة بالغة التعقيد والتداخلات، واليوم نجدد أمامكم العهد أننا ماضون على ذات الطريق، متمسكون بالثوابت الوطنية، مدركون لحجم التحديات، ومؤمنون أن الشعوب التي تصبر وتثبت لا بد أن تصل إلى غاياتها مهما طال الزمن".
شدد الرئيس الزُبيدي على أن المرحلة الراهنة تتطلب منا جميعاً أعلى درجات الوعي الوطني، وقال: "هدفنا في هذه المرحلة هو الثبات على ما تحقق من مكتسبات، وصونها من محاولات الاستهداف، وعدم الانجرار إلى مشاريع التتويه أو إشغال الساحة الجنوبية بصراعات جانبية تستهدف إضعاف الموقف الوطني وإرباك القرار الجنوبي".
وتابع: "نؤكد أن خيارنا في التعامل مع أي إجراءات غير شرعية فرضت بالقوة في أعقاب أحداث يناير هو المقاومة السلمية الواعية، القائمة على الوعي الشعبي والتمسك بالحقوق دون التفريط أو الانجرار إلى الفوضى".
وجدد التأكيد على أنَّ المجلس الانتقالي الجنوبي لا يزال متمسكاً بمسار سياسي واضح يستند إلى الحوار كوسيلة أساسية لمعالجة قضيتنا الوطنية العادلة، وفق ما ورد في الإعلان السياسي الصادر في الثاني من يناير 2026، وبناءً على المبادئ التي تضمنها الميثاق الوطني الجنوبي الذي وقعت عليه غالبية المكونات السياسية في الجنوب في مايو من العام 2023 باعتبار الحوار خياراً استراتيجياً يهدف إلى الوصول إلى حل عادل وشامل يعبر عن إرادة وتطلعات شعب الجنوب ولا ينتقص من حقوقه الثابتة.
وقال الرئيس إنّ ما يتعرض له الجنوب اليوم ليس مجرد تحديات عابرة، بل هو جزء من محاولات منظمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي من خلال إفراغ الساحة الجنوبية من أي تمثيل وطني حقيقي، واستبداله بكيانات لا تعبر عن إرادة الناس، والعمل على إدخال الجنوب في حالة من الشتات السياسي والزج به في مسارات حوار غير جادة لا تفضي إلى حلول حقيقية.
وتابع: "نؤكد أن الشرعية الحقيقية هي الشرعية الشعبية، وأن شعب الجنوب هو مصدرها الأول والأخير، وهو من يمنحها لأي سلطة أو كيان سياسي، وليس العكس، فالإرادة الشعبية هي المرجعية العليا التي لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها تحت أي ظرف".
واستكمل: "في ظل ما يشهده العالم والمنطقة من تقلبات حادة وتحولات متسارعة، لم تعد هناك خطوط حمراء ثابتة إلا تلك التي يرسمها شعب الجنوب بأهدافه وتطلعاته، ونحن في المجلس الانتقالي الجنوبي نتحمل هذه المسؤولية بكل وعي وإدراك، ونعمل في ظرف إقليمي ودولي معقد على حماية استقرار الجنوب وضمان مستقبله السياسي".
وأكد الرئيس: "أهدافنا واضحة وثابتة لا تقبل المساومة، وفي مقدمتها حماية الأرض والإنسان والسيادة الوطنية، وصون كرامة أبناء الجنوب، وضمان حقهم الكامل في تقرير المصير، والمضي بثبات نحو بناء دولتهم المستقلة كاملة السيادة وفق ما نص عليه الإعلان السياسي في الثاني من يناير 2026، وسنستمر في رفض أي تسويات أو مخرجات لا تنبع من إرادة شعب الجنوب أو تتجاوزها، كما قاومنا ولا نزال نقاوم كل ما ترتب على حرب عام 1994 وما بعدها من واقع فُرض بالقوة".
وفي هذا السياق، أكد الرئيس القائد أن القوات المسلحة الجنوبية والأجهزة الأمنية تمثلان العمود الفقري للمشروع الوطني الجنوبي، وصمام الأمان الحقيقي للجنوب في الحاضر والمستقبل، فهي ليست مجرد تشكيلات عسكرية أو أمنية، بل هي مؤسسة وطنية نشأت من رحم التضحيات، وتطورت من ميادين القتال، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى دفاعاً عن الأرض والهوية والقرار.
وصرح الرئيس: "أثبتت قواتنا المسلحة الجنوبية أنها صمام أمان الجنوب ودرعه الحصين وشريكا مؤتمنا في الحرب على الإرهاب، فقواتنا العسكرية مسنودة بالأجهزة الأمنية خاضت المواجهة مع التنظيمات الإرهابية ودكت معاقلها وقضت على بؤرها في أبين وشبوة وحضرموت وحققت نجاحات مشهودة في فرض الأمن والاستقرار في العاصمة عدن وبقية المحافظات. ناهيك عن الدور الكبير الذي تبذله قواتنا الجنوبية وإسهامها الفاعل إلى جانب القوات الدولية في حماية وتأمين الممرات الدولية وأهمها باب المندب، مما يجعلها شريكاً استراتيجياً للإقليم والعالم في حماية التجارة العالمية وأمن الطاقة".
وقال: "من هذا المنطلق نؤكد مجددا أن مشروع بناء الجيش الجنوبي ليس خياراً سياسياً مؤقتاً، بل هو ضرورة وطنية واستراتيجية، وأننا ماضون في بناء مؤسسة عسكرية محترفة، قائمة على العقيدة الوطنية والانضباط، بعيداً عن أي اعتبارات مناطقية أو حزبية، وبما يضمن جيشاً حديثاً يمثل الدولة لا الجماعات".
وتابع: "إننا ونحن نحيي هذه الذكرى الوطنية الغالية على قلوبنا، نقف إجلالاً وإكبارا لشهدائنا الأبرار، الذين سطروا بدمائهم الطاهرة حدود جنوبنا الحبيب، وقدموا أرواحهم فداء لتربته الطاهرة ودفاعاً عن قضية شعبنا العادلة، ونتوجه بالتحية لأشاوس قواتنا المسلحة والأمن المرابطون في ميادين الشرف والواجب، في المتارس والنقاط، في كل الظروف، صيفاً وشتاءً، دفاعاً عن الجنوب وأمنه واستقراره".
وجدد التأكيد على أن هذه القوات ستظل خطاً أحمر، ولن نفرط فيها أو نسمح بتدميرها تحت أي ظرف، لأنها الضمانة الحقيقية لأي حل سياسي عادل يلبي تطلعات شعبنا، وأن أي تسوية لا تضمن بقاءها وحماية دورها ومكانتها هي تسوية مرفوضة شعبياً ووطنياً، كما نؤكد أن السلاح سيبقى بيد الدولة الجنوبية المنشودة، ولن يتحول إلى أداة للفوضى أو المليشيات.
وقال الرئيس: "نجدد دعوتنا إلى الدول الفاعلة في الملف اليمني إلى الاستماع الجاد لصوت شعب الجنوب، وإدراك أن استمرار تجاهل قضيته لن يقود إلى استقرار حقيقي، بل سيزيد من تعقيد المشهد ويمتد أثره إلى الإقليم والعالم في ظل التحولات الجارية".
ودان بشدة الهجمات العدائية التي نفذتها إيران واستهدفت دول الخليج والدول العربية الشقيقة، ونعتبرها أعمالاً مرفوضة تمس أمن واستقرار المنطقة، وأكد التضامن الكامل مع الأشقاء في مواجهة أي تهديدات تمس سيادتهم وأمنهم، وندعو إلى تغليب منطق الاستقرار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
خطاب الرئيس القائد الزُبيدي حمل رسائل سياسية وعسكرية شديدة اللهجة، أعادت رسم الخطوط الحمراء للقضية الجنوبية في ظل تعقيدات المشهد الراهن.
تمحورت الرسالة الأبرز حول "الشرعية الشعبية" باعتبارها المرجعية الوحيدة التي لا تقبل الالتفاف، معلناً رفضاً قاطعاً لمحاولات تفريخ كيانات بديلة تهدف لإفراغ الساحة من تمثيلها الوطني الحقيقي.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، ثبّت الرئيس معادلة "السلاح والسيادة"، مؤكداً أن القوات المسلحة الجنوبية هي الضمانة الوحيدة لأي تسوية عادلة، وخط أحمر لا يمكن تجاوزه أو تفكيكه، مشدداً على دورها كشريك دولي موثوق في مكافحة الإرهاب وحماية الممرات الملاحية العالمية.
دبلوماسيًّا، وجّه الرئيس الزُبيدي نداءً مباشراً للقوى الدولية بضرورة الاستماع لصوت الشعب الجنوبي لتجنب تعقيد المشهد الإقليمي، مجدداً التمسك بمسار الحوار المستند إلى "إعلان 2 يناير 2026" و"الميثاق الوطني".
كما بعث برسالة تضامن عربية حازمة بإدانة الهجمات الإيرانية على الأشقاء في الخليج، مؤكداً انحياز الجنوب للأمن القومي العربي.
واختتم خطابه بالتأكيد على أن هدف استعادة الدولة الفيدرالية كاملة السيادة مشروع لا يقبل المساومة، وأن المقاومة السلمية الواعية هي الرد على أي إجراءات قسرية تستهدف إرادة الجنوبيين.