الوصاية السعودية الاحتلالية حين تحول القيادي والعسكري الجنوبي إلى مرتزق
د. أمين العلياني
من أقذر أساليب الاحتلال وأقبح الممارسات التي يمارسها أي محتل بحق الأرض والإنسان، والقفزُ على دماء الشهداء، والتطاولُ على أنين الجرحى، والالتفافُ الممنهج على مشروع الشعب المصيري وقضيته العادلة. وتتجلى أبشع هذه الأساليب لهذا الاحتلال حين يُقدم على تحويل القيادي والعسكري الجنوبي، الذي كان بمقدوره أن يكون سورًا يحمي الشعب، وسيفًا يذود عن حريته، ودرعًا يصون إرادته الحرة في التعبير عن رفضه؛ لأي ممارسات قسرية يفرضها المحتل السعودي اليمني، إلى مجرد مرتزق في عيون أبناء شعبه. تلك هي أسوأ وأقذر الممارسات وأخسها، أن يُجرّد الجنوبي من وطنيته، وأن يُسلخ من جلده ليُلبس جلدًا غريبًا، ويُدفع دفعًا إلى مربع الخيانة والعمالة، فيُصبح أداةً طيعةً بيد المحتل، يُوجهها كيف شاء، ويُلهب بها ظهور المقاومين، ويكسر بها شوكة المطالبين بالحرية والكرامة.
وها نحن اليوم، في صبيحة فجر هذا السبت المشهود، نقف على مشهد دموي مزلزل تتجسد فيه هذه الحقيقة المرة بكل فجاجتها وقسوتها، حيث أقدمت - حسب المعلومات المتوفرة - قوات تابعة للأمن الوطني والعمالقة، بتعليمات مباشرة من السلطة المحلية في عدن، على الاعتداء السافر على منصة مليونية "الرفض للوصاية السعودية ومناهضة الاحتلال"، التي كان من المقرر أن تُقام عصر اليوم. لم يكتفِ هؤلاء بمنع التعبير السلمي، بل تجاوزوه إلى حرق صورة الرئيس عيدروس الزبيدي علنًا، وإمطار المنصة والمتجمهرين بوابل من الأعيرة النارية، في مشهدٍ يحمل كل دلالات القمع الغاشم والوصاية المخابراتية التي تحرك الخيوط من وراء الستار.
وهنا يسقط السؤال الثقيل كالصخرة على صدور كل غيور: أليس هذا هو الارتزاق بعينه؟ أليس هذا هو التوجيه المباشر من الوصي السعودي، وتحديدًا من فلاح الشهراني، الذي صار اسمه علمًا على التدخل السافر في الشأن الجنوبي، وإدارة الأدوات المحلية لضرب إرادة الشعب وتكميم أفواه المطالبين برفض الوصاية السعودية وإنهاء الهيمنة؟ إن ما تقوم به السعودية في الجنوب لم يعد مجرد احتلال عسكري أو وصاية سياسية، بل غدا مشروعًا متكامل الأركان لإذلال الجنوبي، وتحويل قياداته وعسكرييه إلى جلادين في مواجهة شعبهم، ليكتمل بذلك مشهد المرتزق الذي يطلق الرصاص على صدور أهله، ويحرق صور قادته بأمر من سادته، ثم يعود إلى ثكناته يُمني نفسه بالمكافآت والأموال.
أي عبقرية شيطانية هذه التي تجيدها الرياض وهي تُسقط القيادي الجنوبي في مستنقع الارتزاق، فتُفقده بوصلته، وتُنسيه عهد المقاومة، وتُحوّله من رافع شعار الحرية إلى قاتل لها؟ إنها سياسة التجهيل والتذليل والتخوين التي باتت عنوانًا للمرحلة، حيث تُشترى الذمم، وتُخرب الضمائر، وتُختطف الإرادة، ويُدفع بالعسكري الجنوبي ليكون أداةً في يد المحتل لقمع أي صوت يطالب بإنهاء الاحتلال ورفض الوصاية.
إن المشهد الذي جرى فجر اليوم لهو شهادة إدانة كبرى لكل من شارك فيه، ووصمة عار على جبين كل قيادي وعسكري قبل أن يكون مرتزقًا يأتمر بأمر السعودية، ويُطلق النار على أحلام شعبه، ويُحرق صور من كانوا بالأمس رموزًا للنضال. إن التاريخ لا يرحم، وسيكتب عن هؤلاء أنهم كانوا جنودًا للوصاية، وكلاب حراسة لمشروع احتلالي بغيض، ينهب الثروات، ويُحطم الآمال، ويُريق الدماء الزكية على أعتاب الحرية.
فهل يُدرك هؤلاء أن الرصاصة التي أُطلقت اليوم على المنصة لم تصب فقط في أجساد الحالمين بالخلاص، بل استقرت في قلب المشروع الوطني الجنوبي، وفضحت كل الأقنعة، وكشفت زيف كل الشعارات التي رُفعت بالأمس القريب؟ وهل يظنون أن الصمت سيدوم، وأن الشعب الذي قدّم الشهداء والجرحى سيغفر لمن جعلوه مرتزقًا في عيونه؟ كلا، فالجنوب يئن ولكنه لا يموت، ويُجرح ولكنه لا يُستسلم، وما هذه الدماء المسفوحة اليوم إلا وقود جديد لثورة قادمة، ستجرف كل العملاء والمرتزقين، وتستعيد الأرض والعرض والهوية من براثن الوصاية السعودية الاحتلالية وأدواتها المحليين.