من رحم المعاناة تولد السيادة.. مليونية الجنوب تكسر حصار الخدمات وتتمسك بالثوابت
في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغ القسوة، سطر شعب الجنوب العربي ملحمة جديدة من كفاحه الأسطوري، متجاوزاً تداعيات التدهور المتسارع في العملة والخدمات الأساسية التي تمس تفاصيل حياته اليومية.
الخروج الحاشد لأبناء الجنوب في هذه الفعالية المليونية لا يمثل مجرد حراك جماهيري عابر، بل يجسد في جوهره ذروة الإرادة الشعبية الجنوبية الصلبة، الرافضة بشكل قاطع لسياسات الوصاية والهيمنة الخارجية، والمتمسكة بحقوقها الوطنية المشروعة وثوابتها الراسخة التي سُيِّجت بدماء قوافل من الشهداء الأبرار.
هذا الاحتشاد الكاسح يأتي كرد فعل طبيعي وحاسم على محاولات ترويض الإرادة الجنوبية عبر بوابة الإفقار والإنهاك المعيشي؛ حيث تحول ملف الخدمات وفي مقدمته قطاع الطاقات والكهرباء والمرتبات إلى سلاح عقاب جماعي مكشوف، يُراد منه إخضاع الحاضنة الشعبية وانتزاع تنازلات سياسية تمس جوهر المشروع التحرري الجنوبي.
غير أن الرد جاء مدوياً من الساحات، ليؤكد أن المراهنة على كسر صمود الجنوبيين بواسطة حرب الخدمات هي مراهنة خاسرة وجوفاء، وأن لقمة عيش المواطن وحقوقه الخدمية هي خطوط حمراء وثوابت سيادية لا تخضع للمساومة في بازارات التهدئة الإقليمية الأحادية.
تكتسب هذه الفعالية دلالتها الاستراتيجية من كونها تضع المجتمع الدولي والمنظمات الأممية أمام حقيقة راسخة؛ ومفادها أن شعب الجنوب، الملتف حول قيادته السياسية المتمثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي، قد حدد خياراته بوضوح نحو استرداد قراره الوطني وبناء دولته الفيدرالية المستقلة كاملة السيادة.
تأتي هذه الحشود لتبعث برسالة حاسمة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مؤكدة أن أي مساعٍ أو تسويات مشبوهة تُطبخ خلف الأبواب المغلقة وتهدف إلى تمكين القوى الراديكالية أو المليشيات الحوثية من مقدرات وثروات الجنوب، ستتحطم لا محالة على صخرة الرفض الشعبي والميداني الكاسح.
ويبرهن طوفان البشر في ساحات الحرية على أن المعاناة المعيشية المتفاقمة لم تزد أبناء الجنوب إلا تلاحماً واصطفافاً وراء ثوابتهم الوطنية ومكتسباتهم العسكرية والأمنية.
الإرادة الجنوبية الحرة قد أثبتت اليوم أنها عصية على الانكسار أو الترويض، وأن مسار الكفاح التحرري سيمضي بخطى واثقة ومدروسة حتى تحقيق التطلعات الشعبية الكبرى، وقطع دابر سياسات التجويع والإفقار الممنهج، لينتزع الجنوب سيادته الكاملة على أرضه وثرواته ويؤمن العيش الكريم لأبنائه رغماً عن كافة المؤامرات الخانقة.