الجغرافيا البديلة.. قراءة في المخطط السعودي لاستهداف المحافظات الشرقية للجنوب العربي

السبت 27 يونيو 2026 18:08:46
testus -US

رأي المشهد العربي

تتحرك الدبلوماسية السعودية في المحافظات الشرقية للجنوب العربي وتحديدًا المهرة وحضرموت، مدفوعة باستراتيجية جيوسياسية قديمة متجددة، تتجاوز شعارات الدعم الإنساني أو الترتيبات الأمنية المؤقتة.

ما يجرى اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لمخططات تاريخية صُممت للسيطرة على هذه الرقعة الجغرافية الإستراتيجية، حيث يمثل الشرق الجنوبي، بموقعه المطل على بحر العرب وامتداده النفطي، هدفًا دائمًا للمقاربة السعودية التي تسعى لإيجاد منفذ بحري مباشر وقناة حيوية لتصدير نفطها بعيداً عن مضيق هرمز، ولو كان ذلك على حساب تفتيت النسيج الاجتماعي الجنوبي وضرب هويته الوطنية.

تتجلى خطورة التحركات الحالية في محاولة فصل المهرة وحضرموت عن عمقهما الجنوبي عبر تفريخ مكونات سياسية وقبلية موالية، والهدف الحقيقي هو إبقاء الجنوب في حالة "إفقار هيكلي" مستدام.

فالسيطرة غير المعلنة على مكامن الثروات ومناطق الامتياز النفطي والغازي في هذه المحافظات تضمن حرمان شعب الجنوب من استغلال موارده السيادية لإعادة بناء دولته.

هذه السياسة الممنهجة تهدف إلى تحويل الشرق الغني إلى مجرد حديقة خلفية تحت الوصاية، تدار عبر تفاهمات خلفية تضمن تدفق المنافع للإقليم، بينما يغرق المواطن الجنوبي في أزمات معيشية وخدمية مفتعلة تُسلب منه القدرة على المبادرة السياسية.

وتعتمد المقاربة الإقليمية المتجددة على تحالفات تكتيكية مشبوهة، حيث يُلاحظ بوضوح إعادة تدوير النفوذ العسكري والقبلي لقوى صنعاء التقليدية (تحديداً الإخوانية) في وادي حضرموت والمهرة.

هذا التنسيق غير المعلن يُراد منه خلق جدار حماية للمصالح السعودية، واستخدام هذه القوى كأداة قمع محلية لتعطيل أي تحرك شعبي يطالب بالسيادة واستعادة الدولة.

اللعب على ورقة المكونات الهشة يمثل محاولة لشرعنة التواجد العسكري الأجنبي تحت غطاء مكافحة التهريب، بينما الهدف الحقيقي هو هندسة واقع ديمغرافي وسياسي جديد يقضم المكتسبات الوطنية ويلغي الخصوصية الجغرافية للجنوب.

أمام هذا التحدي المصيري، يدرك الوعي الجمعي الجنوبي أن حماية حضرموت والمهرة هي حماية لكيان الجنوب برمته؛ فالمخطط يستهدف ضرب الجسد الجنوبي في مقتله الاقتصادي.

الرد الجنوبي الأمثل يتطلب تحصين الجبهة الشرقية، ورفع مستوى التنسيق العسكري والأمني، ورفض أي مشاريع تمزيقية تحاول سلخ الشرق تحت لافتات الإقليمية الضيقة.

ويجب إيصال رسالة حاسمة للمجتمع الدولي والإقليمي بأن ثروات الجنوب ومنافذه البحرية ليست مشاعاً للمساومات، وأن دماء الشهداء لم تُسفك لاستبدال هيمنة صنعاء بوصاية إقليمية تسعى لالتهام الأرض وإفقار الإنسان.