وقد عاد.. عيدروس الزبيدي

هاني مسهور

كان ظهور الرئيس عيدروس الزبيدي في الرابع عشر من أكتوبر 2026، بعد أحداث يناير، تأكيداً لمفهوم واضح ينبغي الانطلاق منه، وهو أن ما تعرضت له القضية الجنوبية كان محاولة اغتيال سياسي، أُفشلت بإرادة الصمود، ورباطة الجأش، والتصميم، وقدر هائل من الصبر. فالقضية الجنوبية تبقى حركة تحرر وطني، ومن هذا المنطلق تُقرأ أحداث ديسمبر 2025 ويناير 2026، وتُسمّى الأفعال بأسمائها، وتُوزن القوة بغاياتها وما تتركه في حياة الناس وحقوقهم.

ومنذ لحظة القصف غير المبرر على ميناء المكلا، تجاوز الأمر خلافاً على ترتيبات أمنية أو تبايناً بين شركاء، فقد مسّ حق الجنوبيين في امتلاك قرارهم، ووضع علاقتهم بمحيطهم أمام امتحان قاسٍ: هل يُعترف بهم أصحاب قضية وإرادة، أم يُراد لهم أن يكونوا قوة تؤدي ما يُطلب منها ثم تصمت عندما يتعلق الأمر بمصيرها؟ لهذا اكتسب ظهور الزبيدي معناه السياسي، كان استعادةً للمبادرة، وتجديداً للعهد مع شعب تحمّل الخوف والخسارة والانتظار، وظل يبحث في كل موقف عن ضمانة ألا تُستهلك تضحياته في تسوية تتجاوزه. فالحركة الوطنية التي عرفت مرارة اقتلاع دولتها تدرك أن أخطر الهزائم تبدأ عندما تقبل تعريف خصمها لها، أو تسمح باختزال وطنها في خلاف على منصب أو حصة أو نفوذ.

ومن هنا تأتي مسؤولية القيادة بأن تحمي حق الجنوب، وأن تصون أرواح أبنائه، وأن تجعل الصبر قوةً سياسية لها غاية وخطوات. فالتمسك بالحقوق يحتاج إلى تنظيم وتمثيل ومؤسسات، وإلى قدرة على مخاطبة العالم بمشروع يعرف ما يريد وكيف يصل إليه.

وفي هذا المعنى، يصبح رفض الإساءة إلى السعودية تعبيراً عن وعي يضع الخلاف في موضعه، ويحفظ حق نقد السياسات والقرارات من دون الانزلاق إلى خصومة مع شعب أو ارتهان للغضب. للجنوب حقه، وللمنطقة حاجتها إلى الاستقرار، والسياسة المسؤولة هي التي تفتح طريقاً يحمي الاثنين.

لقد أعاد ظهور الرابع عشر من أكتوبر تثبيت صاحب القضية في معادلتها، وما ينبغي البناء عليه اليوم هو تحويل الصمود إلى تقدم سياسي، حتى يكون الاستقلال الثاني استحقاقاً تُهيَّأ له أسبابه، ويحمله شعب يعرف أن استعادة وطنه تبدأ من الحفاظ على إرادته حرة.

ظهور عيدروس الزبيدي أكد أن الصمود الجنوبي تحول إلى قوة سياسية وأن القضية الوطنية عصية على الاغتيال والتهميش

محاولة الاغتيال السياسي لقضية شعب الجنوب العربي أحبطها شعبها، حين خرج في مليونية الغضب في يناير 2026، ليعلن للعالم أنه عصيّ على الكسر، أبعد من أن تطاله الهزيمة. كانت المليونية لحظة تأسيسية في وجدان الحركة الوطنية الجنوبية، منها تبلور يقين بضرورة انتزاع القرار ورفع الوصاية الأجنبية عن الجنوب، والسعودية أولاً. فسياسات الإكراه عقب أحداث حضرموت الدامية، والتعمد في حرمان الناس من الكهرباء والماء والرعاية الصحية، حفرت جرحاً في الذاكرة، ورسمت فاصلاً بين زمن انقضى وزمن يصنعه الجنوبيون بإرادتهم، ويكتبون عهده بكرامتهم وتضحياتهم.

الجنوبيون، في لحظة الرئيس عيدروس الزبيدي، يعلمون أنهم أمام منعطف حاسم في قضية الاستقلال الوطني، مرحلة استحقاق سياسي تتراكم تعقيداتها خارج حدود الجنوب أكثر مما تتشكل داخله. فالإقليم الذي اكتشف، مع سقوط باب المندب بيد جماعة الحوثي المصنفة إرهابية، ثم الهجمات الواسعة على البنية التحتية السعودية، حجم الاختلال في حساباته، بات مطالباً بمراجعة الخيارات التي أضعفت القوى القادرة على حماية الأرض والممرات البحرية. لقد ظهرت تكلفة إقصاء الجنوب عندما احتاج الجميع إلى موقعه ورجاله، فالجغرافيا التي أرادوها بلا قرار، عادوا يبحثون فيها عن قوة تحمي قرارهم.

في هذه اللحظة، تتحدد مسؤولية القيادة الجنوبية في تحويل الصمود إلى مكاسب سياسية، وصيانة المسافة بين واجب الدفاع عن الأرض والانجرار إلى حروب الآخرين. من حق الجنوب أن يُسأل عن إسهامه في أمن المنطقة، ومن حقه أيضاً أن يسأل: أين موقع إرادة شعبه في الترتيبات التي تُرسم فوق أرضه؟ وكيف يُطلب من أبنائه حمل أعباء الأمن، ثم يُستبعدون عند توزيع الحقوق وصياغة الاتفاقات؟

هنا تكمن دلالة لحظة الزبيدي في أن يلتقي ثبات الموقف بحسن التقدير، وأن تتحول تضحيات الناس إلى حق مصون، وتمثيل لا يُتجاوز، وقرار لا يُصادر. فالاستقلال يحتاج، إلى جانب شجاعة الميدان، صبراً سياسياً يعرف متى يتقدم، ومتى يحاور، وأين يرسم الخط الذي لا يسمح لأحد بتجاوزه. والجنوب الذي حفظ قضيته في أشد سنواتها قسوة، يستطيع أن يحملها إلى استحقاقها، متى أبقى إرادة شعبه مرجعه، وكرامتهم ميزانه، ودولته غايته.

يدرك المجلس الانتقالي الجنوبي العربي أن شهوة الانتقام ليست طريقاً إلى استعادة الدولة، وأن عدالة القضية تفرض على أصحابها أخلاقاً تليق بتضحيات شعبها. فالدم الذي سُفك أمانة تستوجب إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين، بعيداً عن العقاب الجماعي وتوريث الأحقاد. ومن عرف مرارة الظلم تقع عليه مسؤولية ألّا يسمح بإعادة إنتاجه تحت رايته.

الجنوبيون يعلمون أنهم أمام منعطف حاسم مرحلة استحقاق سياسي تتراكم تعقيداتها خارج حدود الجنوب أكثر مما تتشكل داخله

من هنا، يكتسب الصبر معناه السياسي بأن يمتلك الجنوب قوة الدفاع عن نفسه، وحكمة اختيار معاركه، وشجاعة الحوار دون التفريط بحقوقه. فالغضب الذي حفظ القضية من الانطفاء يحتاج إلى قيادة تحوّله إلى مؤسسات وضمانات وقرار وطني مستقل. قيادة تعرف أن الوفاء للشهداء يُقاس بما تصونه للأحياء من كرامة وأمن ومستقبل.

وتلك هي مسؤولية لحظة الرئيس عيدروس الزبيدي بأن يحمل ذاكرة الجراح دون أن يترك لها قيادة الغد، وأن يجعل من التضحيات أساساً لدولة تحرس الحقوق وتخضع فيها القوة للقانون. فالشعب الذي قاوم محاولات إلغائه يستحق أن يستعيد وطنه وطناً يتسع لأبنائه، وتطمئن فيه الأمهات إلى أن ما احتملنه من فقد وألم لن يتكرر في حياة أحفادهن.

الجنوبيون سيذهبون إلى تدويل الملف اليمني؛ فلم تعد هذه الإدارة المتخبطة تمتلك مشروعية مواصلة سياساتها المضطربة، بعدما أضاعت مكتسباتٍ صنعتها التضحيات، وأهدرت فرصاً كان يمكن أن تؤسس لسلامٍ يحفظ الحقوق ويصون الأمن. ومن حق شعب الجنوب أن ينقل قضيته إلى المنابر الدولية، وأن يطالب بمسار سياسي واضح، وضمانات تحمي إرادته من المصادرة وقراره من الارتهان.

والتدويل، بهذا المعنى، مسؤولية تقتضي إعداد ملف متكامل يتضمن توثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وعرض المطالب بلغة القانون، وبناء حضور دبلوماسي يحمل صوت الناس إلى مراكز القرار. فالقضية التي بقيت حيّة في صدور أبنائها تستحق تمثيلاً يوازي صمودهم، وعملاً سياسياً يحوّل حقهم إلى التزامات لا تتبدد بتبدّل المصالح.

الإعلان الدستوري الذي أكد عليه الرئيس عيدروس الزبيدي يقتضي عملاً سياسياً يرتقي إلى حجم التضحيات، وجهداً دبلوماسياً يحمل إلى المنطقة والعالم رؤية واضحة لاستعادة دولة الجنوب العربي وفق حدودها السياسية لما قبل مايو 1990. وهذا يقتضي أن تتحول الإرادة الوطنية إلى مؤسسات قادرة، وتمثيل جامع، وضمانات تصون حقوق المواطنين، وأن تدرك المنطقة أن احترام إرادة الجنوبيين أساس لاستقرار يستحق البقاء.


مقالات الكاتب