حروب الجيل الرابع ( هدم الدول وإبادة الشعوب )

 مفهوم جديد إخترعته بيوت التفكير فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث ظهر لأول مرة فى دائرة النقاشات عام 1980 ثم تكرس تدريجيا بعد سنوات عبر مقالة نشرها بعض ضباط الجيش الأمريكى بعنوان " الوجه المتغير للحرب إلى الجيل الرابع " وبدا الأمر فى ذلك الوقت وكأنه تفكير خارج السرب. ويشير المفهوم إلى كسر إحتكار الجيوش للحروب والعودة إلى ما قبل الحروب الحديثة من حيث نظريات القتال وأوضاع الصراع .

وترتبط نظرية حروب الجيل الرابع بالفكر السياسى الذى ساد العالم منذ نهاية الثمانينيات من القرن العشرين وتفكك الإتحاد السوفييتى وتوغل العولمة وسيطرتها على مجالات الحياة كافة ، ومن ثم شيوع فكرة " النمذجة " أو " القولبة " فى مختلف مجالات الحياة العالمية والثقافية منها خاصة . ثم جاء إنتشار الإرهاب والحروب التى خاضتها الولايات المتحدة فى العراق ليؤكد طبيعة حروب الجيل الرابع وإختلافها عن أجواء الصراع السابقة .

ولا شك أن حروب المعلومات هى أحد أبرز أنماط حروب الجيل الرابع بما تمثله من خطر على اقتصاديات الدول والبنى التحتية والأمن القومى بمفهومها الشامل . بل إن هذه الحروب هى أحد التجليات أو النتائج المترتبة على ثورة المعلومات حيث تزامن ظهورها مع تحول جذرى عالمى من المجتمع الصناعى إلى المجتمع القائم على المعلومات .

ولا شك أيضا فى أن تحولات مجتمعية بهذا الحجم لم تكن لتمر دون إحداث تغيير جوهرى فى إستراتيجيات الحروب ، ومن ثم كان بديهيا أن يظهر جيل جديد من الحروب . ولعل أهم سمات الجيل الرابع بل أخطرها هو التماهى أو زوال خطوط الفصل بين ماهو مدنى وما هو عسكرى ، وبين ممارسة العمل السياسى وخوض صراع عسكرى ، بمعنى أن هذا الجيل قد يتم فيه توظيف أدوات العمل السياسى بدلا من خوض صراعات عسكرية .

وقد تلعب فيه السياسة الأدوار ذاتها التى كانت تتم من قبل عبر الحروب والمعارك . وقد أطلق إسم حرب الجيل الرابع على الحرب على التنظيمات الإرهابية وفقا للمفهوم الأمريكى . وطرفا الحرب فى الجيل الرابع هما جيش نظامى لدولة ما مقابل لا دولة أو عدو وخلايا خفية منتشرة فى أنحاء العالم .

ويقوم هذا الجيل من الحروب على خلق " الدولة الفاشلة " أى خلط الأوراق وبناء مساحات واسعة من الإلتباسات المفاهيمية والثقافية، والمؤكد أن حروب الجيل الرابع هى أكبر نقلة نوعية فى تاريخ التخطيط العسكرى منذ معاهدة وستفاليا عام 1648 لأن هذا الجيل الجديد من الحروب ينهى نسبيا أو واقعيا إحتكار الدولة لشن الحروب ، حيث باتت التنظيمات والميليشيات والجماعات تشن حروبا ضد دول ، ولم تعد الحرب تندلع بين جيوش فقط ، وكان المقصود من هذه الحروب ، الحالة التى تفتقد فيها الدولة إحتكارها للعنف وقوى الصراع ، والعودة إلى نماذج صراع كانت سائدة قبل الدولة المعاصرة .

بإختصار تمثل هدف الولايات المتحدة فى إيجاد أسلحة جديدة وجيوش جديدة أطلقت عليها إسم الجيل الرابع لتفرض على العالم الإمبراطورية الأمريكية ، وليكون القرن الحادى والعشرين هو : القرن الأمريكى . والسؤال الذى يطرح نفسه هل يمكن للولايات المتحدة أن تنجح فى ذلك بصورة مطلقة ؟ أعتقد أن ذلك سيكون صعباَ للغاية وإن نجحت نسبيا فى بعض الحالات لأسباب كثيرة ليس هنا مجال شرحها .

*سفير مصر السابق لدى اليمن