ما تبقى من الحقبة الإيرانية

فاروق يوسف*

لم تتأخر إيران كثيرا في الإعلان عن ولادة حقبتها. الزمن الذي تهيمن فيه على المنطقة استعدادا لقيام إمبراطوريتها المتخيلة من جديد. أكثر من طرف من أطراف النظام الإيراني كان قد صرّح في أوقات سابقة بطريقة لا تقبل اللبس عن الشروع في تنفيذ الفقرة النهائية من مشروع قيام تلك الإمبراطورية التي أضفي عليها آيات الله طابعا دينيا.

في حقيقتها فإن إيران لم تكن في حاجة إلى الإعلان عما صار الواقع في العالم العربي لا يملك قوة تمنعه من الاعتراف بوقوع الكارثة. لقد فاز الإيرانيون بكل ما كان معروضا في المزاد الدولي من بضائع عربية.

صار العراق حديقتهم الأمامية التي يستثمرون من خلالها علاقاتهم الخفية مع الأميركان، وتحولت سوريا إلى مناطق نفوذ يتقاسمونها مع الروس، وأطلوا برؤوسهم على باب المندب من خلال عملائهم وصنائعهم الحوثيين.

 أما في لبنان فقد وصلوا إلى مرحلة تشكيل حكومة. إنهم سادة المنطقة. هكذا يمكن أن يوصفوا بناء على ما آلت إليه الأمور في الدول العربية الأربع، لولا أن المملكة العربية السعودية قررت أن تقلب المعادلات الإقليمية والدولية في وقت واحد. وهو مسعى جبار وصعب قياسا لما يتطلبه من جهد وصبر وعزيمة من أجل الانتصار على الأسباب العالمية التي دعمت السلوك الإيراني قبل التصدي المباشر للمشروع الإيراني.

في مرحلة التمدد الإيراني بدا المجتمع الدولي كما لو أنه لم يكن معنيا بمصير الشرق الأوسط. وهو ما شكل صدمة بالنسبة لشعوب المنطقة.

فعلى سبيل المثال يمكننا النظر إلى حالة العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003. هل كان ضروريا بالنسبة للمحتل الأميركي أن يتم تسليم العراق سياسيا إلى إيران، بحيث يُحكم العراق عبر أكثر من اثني عشر عاما من قبل حكومة منتخبة، تدين بالولاء المطلق لإيران، ويكون قاسم سليماني بمثابة المندوب السامي الإيراني في العراق؟

فإذا كانت إيران قد أسست حزب الله في لبنان عام 1982، فإن تلك الخطوة لا تعني شيئا مقارنة بما حصدته إيران من مكتسبات من خلال تعاونها مع الولايات المتحدة من أجل تسهيل غزوها للعراق. ولكن هل يُعقل أن يكون العراق كله هو ثمن ذلك التعاون؟

أعتقد أن الهيمنة على العراق كانت ضرورية من أجل الإعلان عن الحقبة الإيرانية في المنطقة.

لقد كشف الإيرانيون عن مشروعهم كله في العراق. وهو مشروع ظلامي رث، لا يمت بصلة إلى العصر الحديث. وصفة مستهلكة صارت عنوانا لما تبشر به الجماعات المسلحة التابعة لإيران في العراق ولبنان واليمن وسوريا. في العراق ظهر المشروع الإيراني على حقيقته. لم تقدم إيران للعراق الذي احتلته سوى الموت. على المستوى العقائدي كان العراق ساحة للمسيرات الجنائزية، وعلى المستوى الواقعي لم يعد العراق سيد نفسه.

الإمبراطورية الإيرانية المتخَيَّلة صنعت نموذجها المتداعي في العراق، وهو نموذج يكشف عن انحطاط الخيال السياسي لدى آيات الله. وكما أرى فإن الحقبة الإيرانية تمر اليوم بآخر محطاتها. لقد انتهى المشروع الإيراني إلى الفشل بعد أن ألحق بالمنطقة كوارث عظمى.

أعتقد أن الحقبة الإيرانية السوداء كان من الممكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لو لم تفرض روسيا وجودها جزءا من المعادلة الإقليمية. وهو ما استفادت منه تركيا كثيرا.

لقد استعملت روسيا الأطماع الإيرانية في خدمة مصالحها، غير أنها في النهاية وجدت أن من مصلحتها الاستغناء عن تلك الخدمات. وهو ما انتهت إليه الولايات المتحدة في العراق واليمن. سيكون صادما القول إن روسيا هي التي حرضت الآخرين على احتواء إيران وإعادتها إلى حجمها الطبيعي.

إيران المزعجة لروسيا في سوريا لن يكون لها دور في مستقبل المنطقة. ذلك القرار هو ما يشير إلى نهاية الحقبة الإيرانية.

*كاتل عراقي.


مقالات الكاتب