هي الصورة مجدداً

غازي العلوي

نعم ؛ هي الصورة مجدداً , صورة تأسر جسداً استطاعت روحه أن تتحرر من قيود المربع وما سيذيله جمع المستنكرين من كلمات قد تخفف القليل من الوجع والخسارة.

نحن كثر، أولئك الذين يردّون على الفعل بالكتابة، وعلى اللوعة بالنثر ، وعلى الفاجعة بالبلاغة، فنكتب سطوراً ونمضي، وكأننا نسجّل موقفاً للأحياء على حساب جثث الشهداء.

هل هم ينتظرون منّا هذا الكلام أم لا؟ هذا ما كنت أسأله في كل مرّة كتبت فيها عن شهيد جنوبي سرقت روحه رصاصات الأعداء من بين أيدينا , ولكن في كل مرّة كانت تستوقفني نظرة واحدة تستطيع أن تشدّ على الجرح الذي أحاول أن أداويه بالكلمات، فتحرّك أصبعها المغروس في جرحي وكأنها تقول : "لن تشفوا قبل أن يشفى جرحي"، ولن يشفى جرحها.

نظرة ليس كنظرات المئات من الغاضبين الذين سيشاركون في التشييع، وسيهتفون بالموت للعدو، وبأن الموت لن يخيفهم.. ولكن مهلاً، من أنتم أصلا؟ أأنتم من حملتموه في أحشائكم يا قوم؟ كلا! وحدها والدته، تلك المرأة التي ستحاول الأرض أن تزودها بالطاقة كي تستمر وبالقوّة كي تبقى واقفة على قدميها، ومتى خارت قواها احتضنتها لثوانٍ قبل أن تنفضها إلى الأعلى، وكأنها تجبرها على الوقوف؛ ترى هل لهذه القوة علاقة بما أنزل تحت التراب من بقايا جسد ابنها؟.

كلها أسئلة بلا أجوبة، ولكن ما أعرفه حق المعرفة، أنه غداً بعد أن تمضي جموع المعزين بعيداً، ويعود الأقارب بعد أسبوع أو حتى أربعين يوما إلى بيوتهم، وحدها والدة الشهيد ستبقى في غرفته. ستفتّش ثيابه بحثاً عن أمل لعلبة سجائر خبأها عنها، سترفع فراشه بحثا عن ضحكة أضلّت الطريق حين كان هنا ، ستبحث في جواريره عن حكايات تعيد إليها الروح لا عن قصاصات ورق ورسائل غرام، ستفتح حقائبه بحثاً عن صوتٍ واحد، كلمة واحدة، لا عن سكين أو مسدس.

ستبحث وتبحث فتبكي وتسقط دموعها الغزيرة حينها، نكون نحن - جمع المعزين والمستنكرين- نضحك ونكمل حياتنا، وهي –والدته- تقف مكانها، هنا توقف الزمان، ولن تتغير معالم المكان، وحده جسدها سيشيخ أكثر، والكهولة ستحني ظهرها، والساعات كفيلة بأن تقشط الضحكة عن وجهها، وجرادة الوجع تبخل بالبسمة أيضا.

أمس ظهرت والدة شهيد في مربع شاشة التلفاز، كانت تنعصر ألماً، قالت وكأنها تغيظ القاتل : "لأجل قضيتنا سنقدم آلاف الشهداء". نعم، قالتها، قد تكون قالتها عن إيمان، وقد تكون قالتها لتغيظ القاتل فقط، هي حرّة بخياراتها، إلا أنه من المؤكد أنها عندما وضعت رأسها على المخدة، أو عندما نظرت إلى صورته، أو حتى بعد أن أطفأ المصوّر الكاميرا، خانها جبروتها وسألت :" لماذا هو وليس غيره؟ لماذا هو وليس أنا؟" .. ألف لماذا ستطعن في قوّتها وتجبرها على التشكيك، وقد تعترف في قرارة نفسها أن الموت والحقد انتصر عليها، ولكنها تعلم علم اليقين، أنه انتصر الشيطان في رأسها فقط، وليس الحاقد، وأنها حين وضعت عينيها في عينيه، قالت له :" سنقدم آلاف الشهداء حتى ننتصر" .

ليس ثمة مجال للمساومة بتلك الدماء التي أُزهقت , ولا شك ولا ريب بأن عدالة السماء سوف تنتصر لتلك الدموع وتلك الدعوات التي أُطلقت من قلب مكلوم وفؤادٍ محروق بفراق فلذات الأكباد ، وها هي عدالة السماء ترينا اليوم جزاء من سفكوا دماء شبابنا ونساءنا وأطفالنا , كيف شردهم الله وجعلهم عبرة لمن يعتبر.

 


مقالات الكاتب