هل من وقفة مسؤولة أمام أوضاع بعثاتنا الدبلوماسية ؟

السفير علي عبدالله البجيري

كتبت قبل أيام مقال بعنوان '' الدبلوماسية اليمنية إلى اين''، تلقيت العديد من الإتصالات بين مؤيد ومعارض، ومن قال الوقت غير مناسب فالوزير لم يجلس بعد على كرسي الوزارة، ومن قال نحن في حالة حرب مصابة بالهفوات.


ما أود ان اوضحه ان ما كتبته ليس استهداف لفلان او علان، بل إنني اتألم على وطن كان له إلى زمن قريب دبلوماسية راقية تمثله بين الامم، وله سفراء يعتبرون هامات وطنية كبيرة من حيث الكفاءة والخبرة، إن اداروا سفارات ازدهرت العلاقات الثنائية، وان شاركوا في المؤتمرات الاقليمية والدولية رفعوا اسم الوطن عاليا، وان كتبوا في الصحف والمجلات تقرأ ثقافة وادب وسياسة وكلمات مختارة بعناية تجعل القارئ يعيش مع الكاتب بحقائق ما يطرحه وحصافة الرأي وبعد النظر.


  ما كتبته لم استهدف به اشخاص بذاتها، فانا اردت ان اشير الى ان التعيينات في السلك الدبلوماسي اصبحت مشاعة لكل من تقرب او اقترب من الشرعية اوتحول إلى بوق اعلامي ضد الاخرين في مواقع التواصل الاجتماعي، ضف الى عامل القرابة الأسرية لاصحاب النفوذ.


هذه التعيينات بما تحمله من فساد انعكست سلبا على علاقات بلادنا الثنائية مع دول العالم، بل لحقها ايضا الفشل في تبني الدفاع عن حقوق وقضايا مواطنينا في بلدان الاغتراب، والتي هي من المهام الرئيسية لبعثاتنا في الخارج.


 هنا نذكر مثالا حيا لذلك الواقع الذي اصاب بعثاتنا الدبلوماسية، وهو ما حدث في القاهرة بين السفير '' المأرم '' والقائم بالاعمال في الجامعة العربية ''معوضة ''، ما حدث بينهما هو دليل على حجم التراكم السلبي لما تعانيه بعثاتنا في الخارج دون ان تتدخل الوزارة في توضيح الإختصاصات لمن يجهلون قواعد واصول العمل الدبلوماسي، لقد وصل الأمر إلى المساببة والملاطمة وعلى الملاء وفي بهو أرقى فنادق العاصمة المصرية. فماذا بعد هذه الفضيحة ان يقال، ماذا ستقول الصحافة المصرية الواسعة الإنتشار، وماذا سيكتبه أعضاء السلك الدبلوماسي العربي والاجنبي، والأسوأ من ذلك هو كيف سينظر الينا الشعب المصري الذي يستضيف اكثر من نصف مليون مواطن يمني مقيم لديهم بسبب الحرب واوجاعها المؤلمة. كل هذه الوقائع تستوجب من قيادة الخارجية اليمنية سرعة المراجعة واعادة تقييم اوضاع البعثات، وابعاد كل من تسلل خلسة إلى الدبلوماسية اليمنية، ووقف التوسع الغير مبرر في تضخيم البعثات والملحقيات لوطن يعاني من الحرب والجوع وعدم دفع الرواتب وسقوط 60 في المئة من قيمة عملته الوطنية.


 نحن هنا لا نضع العربة قبل الحصان ولا نطلب المستحيل، فنحن نعلم حجم الفساد والخراب الذي طال الدبلوماسية اليمنية وهو انعكاس للازمة اليمنية وحال حكومة بن دغر التي ينخر فيها الفساد وتتوسع كل يوم بوزير جديد. وهنا فإننا لا نحمل معالي الوزير خالد اليماني المسؤولية، لكننا نتسائل هل '' يصلح العطار ما افسده الدهر ''؟ نتمنى ان يتخذ معالي الوزير من حادثة القاهرة المخجلة منطلق لتصحيح الاوضاع، فما حدث نسمع عنه أيضا في بعض السفارات، ان لم يكن على شكل '' الملاطمة " فانه يتخذ اسلوب الملاسنة.


لماذا كل هذه السلبيات ؟


هناك اسباب لم تعد خافية على احد، وهي أسباب كثيرة، منها على سبيل المثال التعيينات الغير مسؤولة المبنية على المحابات والمصالح والقرابة، هذا يعكس نفسه على انعدام الخبرة والكفاءة والتجربة، والذي ياتي هذا على حساب الكوادر الدبلوماسية من جيل الشباب ممن يحملون المؤهلات الاكاديمية وحصلوا على التأهيل العالي في المعهد الدبلوماسي اليمني. وهناك مع الاسف تراكمات سياسية لازالت الخارجية تعاني منها مرتبطة بالوضع العام شمالا وجنوبا ليس المجال هنا لشرحها.


 كان لدينا وزراء خارجية شمالا وجنوبا ''عمالقة امثال محمد صالح مطيع و د.عبد الكريم الارياني رحمة الله عليهما، فان تحدثا نصت لهما الجميع، و ان تقدما بمقترحات او تعليقات تجد فيها الحكمة والرأي السديد، بالاضافة إلى القدرة العالية في فن ادارة الملفات السياسية والادارية اليومية في ديوان الوزارة والبعثات. ولاننسئ معالي الدكتور ابوبكر القربي وما قدمه للخارجية اليمنية، ففي عهده شهدنا استقرار للتنقلات والتعيينات والترقيات، والاهم هو انشئ المعهد الدبلوماسي اليمني. وللتاريخ لابد من توضيح حقيقة هامة ان الرئيس صالح وأجهزة الامن ومكتب الرئاسة كان لهم التأثير على التوظيف والتعيينات، وكانت تفرض على الخارجية فرضا تحت مسمى " التوجيهات العليا ''،، وهذا ما كان يسبب حرج لقيادة الوزارة حينها.


وهناك موضوع اخر في غاية الاهمية يتعلق بوضع الشئون المالية والإدارية في الوزارة، هذه الادارة يتواجد في زواياها مجموعة مؤثرة على كل ''وكيل للشئون المالية " يتعين لادارتها، تلك المجموعة هي من تسيره وتخيره ومن ثم تؤثر على قراراته، واحيانا تورطه قصدا، هذه العينة لايهمها غير مصالحها وهي تتوارث الخبرة وتنقلها من وكيل إلى اخر .


 نتمنى من معالي الوزير ان يضع  بصماته وهو يجلس على كرسي الوزارة، ونقترح عليه ان يختار له مجلس مستشارين يتكون من عدد من  السفراء ذو الخبرة والتجربة والكفاءات العالية، على ان  يحيل اليهم الملفات السياسية المعقدة بتعقد الاوضاع الدولية والاقليمية، وفي الوقت نفسه يتشاور معهم بشأن ملف اعادة تقيبم وضع البعثات والتعيينات، واتخاذ الاجراءات الحاسمة ضد كل ما حدث مخالفا لقوانين السلك واللوائح المنظمة للتوظيف والتعيين والترقيات ''.


وفي الختام  إن الانسان الذي لا يعرف أن يصغي لا يمكنه سماع النصائح التي تغدها الحياة في كل لحظة.  ''باولو كويلو ''.


      

السفير علي عبدالله البجيري


مقالات الكاتب