إعادة التموضع.. قوة جنوبية وإرادة لا تعرف الانكسار
رأي المشهد العربي
في خضمّ التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة الجنوبية، يبرز توصيف إعادة التموضع باعتباره فعل ضعف أو تراجع توصيفًا قاصرًا لا يلامس جوهر ما جرى.
فإعادة التموضع، حين تصدر عن قيادة واعية، ليست هروبًا من المواجهة، بل تعبيرًا عن عقل دولة يعرف متى يقاتل ومتى يغيّر أدوات الصراع، ومتى ينقل المعركة من مستوى الاشتباك إلى مستوى القرار. وما حدث مؤخرًا يعكس هذا الفهم العميق لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.
القوات الحكومية الجنوبية خرجت من هذه الجولة مرفوعة الرأس، ليس لأنها خاضت معركة استعراضية، بل لأنها لم تنكسر، ولم تُهزم، ولم تتخلَّ عن شعبها أو عن مسؤوليتها الوطنية.
القوات الجنوبية اختارت أن تكون درعًا يحمي الناس، لا وقودًا لمعركة يريدها غيرها وبشروط لا تخدم الهدف الجنوبي. وهذا الخيار، في ميزان التاريخ، يُحسب للقيادات التي تضع الإنسان قبل الجغرافيا، والمشروع قبل اللحظة.
الأهم من ذلك أن ما جرى لم يُضعف الجبهة الداخلية، بل على العكس، أعاد لحمتها وعمّق وحدة الصف الجنوبي. فقد أدرك الجنوبيون، بمختلف انتماءاتهم، أن المعركة لم تعد حول موقع أو نقطة نفوذ، بل حول حق واضح في الدولة والقرار والسيادة. وحدة الصف هذه التي تشكّلت تحت الضغط، هي أقوى أشكال النصر، لأنها تُسقط رهانات التفكيك وتُفشل محاولات اللعب على التناقضات الداخلية.
لقد أثبتت التطورات أن كل خطوة مدروسة اليوم، مهما بدت ثقيلة أو صعبة، إنما تُقصّر طريق الدولة غدًا.
فالاندفاع غير المحسوب قد يحقق مكاسب آنية، لكنه غالبًا ما يؤجل الحسم الحقيقي. أما إدارة الصراع بعقل بارد ورؤية بعيدة، فهي التي تبني الانتصارات المستدامة. ومن هنا، فإن إعادة التموضع لم تكن توقفًا عن الفعل، بل انتقالًا إلى فعلٍ أعمق وأشد تأثيرًا.
والتحول الأبرز الذي أفرزته هذه المرحلة هو انتقال الجنوب من موقع الدفاع عن الأرض إلى موقع فرض حق الدولة. لم يعد الخطاب محصورًا في ردّ العدوان أو حماية الجغرافيا، بل بات يرتكز على تثبيت الحق السياسي والتاريخي لشعب الجنوب في دولته.
هذا الأمر يمثل في حد ذاته تحولًا تاريخيًا في مسار القضية، ينقلها من رد الفعل إلى صناعة الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى صياغة المستقبل.
إن ما جرى ليس نهاية معركة، بل بداية مرحلة جديدة، تُدار فيها القضية الجنوبية بوصفها مشروع دولة لا يقبل التراجع، ولا يُقاس بمنطق الربح والخسارة الآنية، بل بمنطق التاريخ الذي يُنصف من يعرف متى يشتد ومتى يحسم.