الأمن المستدام يبدأ بالقوة المنظَّمة.. دروس من نضال حضرموت والمهرة
رأي المشهد العربي
تحديات أمنية متصاعدة تشهدها حضرموت والمهرة ومع تفاقم خطر تجدد ظهور الإرهاب على صعيد واسع.
إزاء هذا الوضع تتجدد القناعة بأن الأمن المستدام لا يمكن أن يتحقق عبر حلول مؤقتة أو انتشار شكلي للقوات، بل يحتاج إلى وجود مهني ومنظم لقوات قادرة فعليًا على حماية المدنيين، وفرض القانون، ومنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار.
فالتجارب السابقة أثبتت أن غياب هذا النموذج المهني يفتح الباب واسعًا أمام الفوضى، ويحوّل الفراغ الأمني إلى فرصة ثمينة للجماعات المتطرفة.
لقد عرفت حضرموت والمهرة مرحلة من الاستقرار حين كانت القوات الحكومية الجنوبية تمسك بزمام الأمن، ضمن منظومة واضحة المعالم، قائمة على الانتشار المنظم، والانضباط المؤسسي.
في تلك المرحلة، شعر المواطن بوجود سلطة تحميه، وتردع الخارجين عن القانون، وتمنع تسلل العناصر الإرهابية التي اعتادت استغلال الهشاشة الأمنية للتغلغل وتنفيذ مخططاتها التخريبية.
الأمن ليس مجرد نقاط تفتيش أو تحركات عسكرية عابرة، بل منظومة متكاملة تبدأ من الكفاءة المهنية للعناصر الأمنية، مرورًا بالجاهزية الاستخباراتية، وانتهاءً ببناء الثقة مع المواطنين.
هذا الأمر كان حاضرًا، خلال فترة سيطرة القوات الحكومية الجنوبية على حضرموت والمهرة، حيث تراجع منسوب الخوف، وانحسرت الأنشطة الإرهابية، واستعادت المؤسسات قدرتها على العمل في بيئة أكثر استقرارًا.
في المقابل، يُشكّل أي فراغ أمني خطرًا داهمًا، لا يقتصر أثره على الجانب الأمني فقط، بل يمتد ليضرب الاستقرار المجتمعي والاقتصادي.
فالجماعات المتطرفة لا تحتاج إلى بيئة مثالية بقدر ما تحتاج إلى ثغرات، وأي تراجع في الحضور المنظم للقوات القادرة على الضبط والسيطرة يُعدّ فرصة سانحة لها لإعادة ترتيب صفوفها، وبث الرعب، واستهداف المدنيين، وتقويض ما تبقّى من ثقة في مؤسسات الدولة.
وتكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن حضرموت والمهرة تمثلان موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، ما يجعل أي انفلات أمني فيهما ذا انعكاسات تتجاوز حدودهما الجغرافية.
فزعزعة الاستقرار في هاتين المحافظتين تعني فتح ممرات جديدة للفوضى، وخلق بيئة خصبة للتطرف، يصعب احتواؤها لاحقًا.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن المهني، القائم على قوات منظمة، ذات عقيدة واضحة، ومهام محددة، تضع حماية المدنيين في صدارة أولوياتها.
فالأمن المستدام لا يتحقق في ظل الفراغ، بل يحتاج إلى قرار مسؤول يمنع تكرار سيناريوهات الانهيار، ويحمي حضرموت والمهرة من مخاطر التطرف وزعزعة الاستقرار.