مليونية عدن ترسم ملامح الشرعية الحقيقية وتحصن القضية الجنوبية
رأي المشهد العربي
يشكّل الزخم السياسي والشعبي الذي أعقب مليونية عدن منعطفًا نوعيًا في مسار قضية شعب الجنوب العربي ، إذ أعاد التأكيد على أن هذا المسار لم يعد مجرد مطلب تاريخي أو رد فعل على أزمات متراكمة، بل مشروع وطني متكامل يستند إلى وعي جمعي، وقيادة معترف بها شعبيًا، وثوابت راسخة لا تقبل التمييع أو التجزئة.
فقضية شعب الجنوب اليوم تتحرك من موقع الفعل، لا من موقع الدفاع، وتفرض حضورها بوصفها حقيقة سياسية قائمة لا يمكن تجاوزها.
التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها حق شعب الجنوب في استعادة دولته كاملة السيادة، لم يعد شعارًا تعبويًا، بل تحول إلى إطار ناظم لكل المواقف والتحركات.
هذا التحول يعكس نضجًا سياسيًا متقدمًا، حيث بات الشارع الجنوبي أكثر إدراكًا لطبيعة الصراع وأدواته، وأكثر قدرة على التمييز بين المسارات التي تخدم قضيته وتلك التي تسعى لإفراغها من مضمونها.
ومن هنا، جاء الاصطفاف الواسع خلف القيادة الجنوبية، وعلى رأسها الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، باعتباره تعبيرًا عن الثقة في مشروع واضح المعالم، لا يخضع للمساومة ولا يتبدل بتغير الظروف.
القيادة الجنوبية، بدورها، لم تكتسب هذا الدعم من فراغ، بل من خلال حضور سياسي متماسك، وخطاب يعكس تطلعات الشارع، ومواقف تتسم بالثبات في القضايا المصيرية.
هذا التلاقي بين الإرادة الشعبية والقرار السياسي أسّس لحالة نادرة من الانسجام الوطني، جعلت من المشروع الجنوبي أكثر صلابة في مواجهة الضغوط، وأكثر قدرة على الصمود أمام محاولات الاحتواء أو الإرباك.
في السياق ذاته، فإن إعادة تأكيد التفويض الشعبي للرئيس الزُبيدي تمثل رسالة سياسية مزدوجة؛ الأولى للداخل الجنوبي، مفادها أن وحدة الصف هي خط الدفاع الأول عن القضية، وأن أي تباين يجب أن يُدار ضمن الإطار الوطني الجامع.
الرسالة الثانية موجهة للخارج، تؤكد أن الجنوب يمتلك قيادة شرعية تستمد قوتها من شعبها، لا من توافقات هشة أو صيغ مفروضة.
ما يميز المرحلة الراهنة هو انتقال قضية شعب الجنوب إلى مستوى أكثر وضوحًا وحسمًا، حيث لم يعد مقبولًا القفز على الإرادة الشعبية أو الالتفاف على تمثيلها.
ومع هذا الاصطفاف الوطني المتجدد، تتكرس معادلة أساسية مفادها أن استعادة الدولة ليست احتمالًا مؤجلًا، بل مسارًا مفتوحًا تحميه الإرادة الشعبية، وتقوده قيادة متمسكة بثوابتها، وقادرة على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز الحضور الوطني الجنوبي حتى بلوغ غايته المنشودة.