السعودية مشكلة يمنية

صالح أبو عوذل

وقعت السعودية اتفاقا مع الحوثيين، واعترفت بهم كـ"سلطة دينية قائمة على غرار ولاية الفقيه"، في تحول يشير إلى أن الحرب التي أعلنتها الرياض في أواخر مارس 2015م قد انتهت بهزيمة ساحقة للسعودية.
تلك العملية العسكرية التي قال ولي العهد السعودي إنه يريد من خلالها نقل المعركة إلى "طهران" في العام 2016م، لتصبح المعركة بعد عقد من الزمن (2026) في قلب العاصمة السعودية الرياض؛ إذا أين الخلل؟.
لا أعتقد أن الخلل في "قاعدة الخشعة العسكرية"، بل في المشاريع التوسعية، لا في الصراع مع إيران والحوثيين في اليمن، لأن جماعة الحوثي، حتى اليوم الأول لعاصفة الحزم، كانت منزوع السلاح، لا تمتلك سوى أسلحة خفيفة ومتوسطة لا يمكن أن تحقق لها أي مكاسب. لكن كيف حصلت على كل هذه الترسانة العسكرية؟ أليس هذا دليلا على "هزيمة عسكرية سعودية في اليمن"، وعلى يد جماعة مسلحة يقول عنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إنها لا تشكل ما نسبته 5% من سكان اليمن؟ كيف ينتصر الـ5% على السعودية والـ95% من سكان اليمن الآخرين؟
لست في صدد الحديث عن أسباب الانتكاسة العسكرية، ولكن محاولة إعادة تعريف للمشكلة من جذورها، خصوصا بعد معركة السعودية لاحتلال حضرموت والمهرة في مطلع يناير الماضي، ليس لها أي مبررات، فالوجود الإسرائيلي المزعوم نسفته زيارة وزير الدفاع السعودي إلى الولايات المتحدة، واعتذاره العلني لتل أبيب عن تناولات صحفية.
يقول السعوديون إن حضرموت والمهرة جزء من بلادهم، في انتهاك صارخ لسيادة دولة مستقلة قائمة ومعترف بها دوليا، فهل كانت حرب 2015م، التي دعمها العالم لمحاربة إيران وأذرعها، أم لاحتلال المهرة وحضرموت؟ فالجنوب، الذي لم يكن يوما من الأيام خاضعا لإيران ومشاريعها، انطلاقا من تصريحات ابن سلمان التي زعم فيها أن حربه في اليمن "ضد إيران ومشروعها التوسعي المذهبي".. فهل تراجع ولي العهد السعودي عن أهدافه هو إقرار بالهزيمة أمام إيران ومشاريعها؟
بدأ لي، وربما لكثيرين، أن "الحرب السعودية على حضرموت والمهرة" كانت مقامرة سعودية لتحقيق مشروع هيمنة توسعي، بدأت ملامحه بالحديث عن مد أنبوب نفط هربا من الضغط الإيراني في مضيق هرمز، لكنها في الحقيقة مغامرة غير محسوبة المخاطر، أكدت لليمنيين والجنوبيين على حد سواء.
على مدى ثلاثة أشهر، سوّق السعوديون سردية أن حربهم هي للدفاع عن الأمن القومي، ثم قالوا إنها لردع الخطر الإسرائيلي، ثم قيل إنها للدفاع عن الوحدة اليمنية، لكن سقطت كل تلك السرديات حين أعلن السعوديون اعتزامهم تنفيذ مشاريع اقتصادية تخصهم في بلادنا، والعائد "كراتين تمر".
حان الوقت اليوم أن يرفع اليمنيون والجنوبيون أصواتهم عاليا بأن السعودية مشكلة يمنية عميقة عمرها 70 عاما، مع الإشارة إلى وجود فوارق بين الحكام السعوديين المتعاقبين. قبل مشروع محمد بن سلمان، كانت السعودية تدير اليمن عبر مرتزقة من زعماء القبائل اليمنية، خاصة "حاشد وبكيل"، وبعض القوى الإسلامية وأمراء تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، أما اليوم، وفي عهد الحاكم الجديد، فقد أصبح الوضع مختلفا تماما.
عيّن بن سلمان سفيرا اسمه محمد سعيد آل جابر، وهو نفسه المشرف على اليمن، يبتز المسؤولين من رشاد العليمي حتى أصغر مسؤول في حكومة التبعية والارتهان للسعودية بـ"بضع آلاف من الريالات السعودية".
هذا السفير أنشأ قوات يمنية خاصة به، يحركها برسالة واتساب، يحول ويبدل، ولا يجرؤ لا رئيس المجلس ولا أي من أعضاء المجلس على الاعتراض عليه، لأنه المتحكم بكل شيء، بصلاحية من "بن سلمان".

حين يقول السعوديون إن اليمن مشكلة "سعودية"، هل شاهدوا اليمن يعين مشرفا أو سفيرا يتحكم بكل شيء، ويدير الأزمات بالطريقة السعودية الجديدة، وينشئ ميليشيات متطرفة تقاتل حسب عقيدة وفتاوى دينية تكفيرية، كما حصل مؤخرا في حضرموت، حين صدرت فتاوى تكفيرية من قبل رجال دين سعوديين؟.
اليمنيون اليوم بحاجة إلى مراجعة حقيقية للدور السعودي في اليمن، خاصة أن السعوديين قد وقعوا اتفاقا مع الحوثيين دون أي تمثيل لليمنيين. ماذا عن ما خلفته الحرب السعودية على البلاد؟ هل يعقل أن بلدا أصبح مدمرا يمكن أن يُترك دون أي إعادة إعمار أو جبر ضرر؟
انهزمت السعودية في اليمن، هذه مسألة محسومة، لكن ماذا عن ما خلفته حربها من تدمير للمساكن والمدن وتشريد الناس؟ من يدفع فاتورة الحرب السعودية "العبثية" بعد أن أعلنت الاستسلام للحوثيين اليوم باتفاق رعته الأمم المتحدة؟ أليس هذا دليلا على أن المشكلة سعودية في اليمن، وأن الاتفاق السعودي مع الحوثيين هو تأكيد على حقيقة واحدة: أن الدور السعودي في اليمن هو أساس المشكلة؟ وعلى اليمنيين، إذا أرادوا استعادة الجمهورية، أن يطالبوا أولا بإخراج السعودية من كامل المشهد اليمني، ومن ثم الشروع في خوض معركة وطنية لاستعادة الجمهورية من قبضة الحوثيين.

#صالح_أبوعوذل


مقالات الكاتب