بيان نقابات عمال الجنوب.. خارطة تصعيد في مواجهة المجتمع الدولي وسلطات الفساد اليمنية
يمثل البيان الصادر عن الاتحاد العام لنقابات عمال الجنوب، عقب الوقفة الاحتجاجية الحاشدة أمام مكتب الأمم المتحدة ومقر المبعوث الأممي في العاصمة عدن، تحولاً جوهرياً في مسار الحركة الاحتجاجية الجنوبية.
لم يعد التحرك النقابي مجرد تعبير عن مطالب فئوية أو حقوقية معزولة، بل تحول عبر هذا البيان إلى وثيقة إدانة سياسية واقتصادية شاملة تُعرّي سلطات الأمر الواقع، وتضع المجتمع الدولي مباشرة أمام مسؤولياته الإنسانية والأخلاقية تجاه حرب الخدمات الممنهجة وسياسة التجويع التي يتعرض لها شعب الجنوب العربي.
تكمن أهمية البيان في تشخيصه الدقيق للمسؤولية عن الكارثة المعيشية؛ إذ حمّل الاتحاد سلطات الأمر الواقع والجهات المرتهنة لأجندات الوصاية الخارجية المسؤولية الكاملة عن استمرار الأزمة.
واعتبر البيان أن الانهيار المتسارع في الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الانقطاع الكارثي للكهرباء والمياه، والتراجع التاريخي لقيمة العملة المحلية، والارتفاع الجنوني غير المسبوق في أسعار السلع، ليست قضاءً وقدرًا، بل هي نتاج مباشر لمنظومة الفساد وغياب المعالجات الاقتصادية الفاعلة.
ومن هنا، يقطع الحراك النقابي الطريق على أي محاولات حكومية لتبرير الفشل، واضعاً "محاسبة المتسببين في الفساد" كشرط أساسي لأي إصلاح حقيقي.
من جانب آخر، يعيد البيان رسم خطوط المواجهة من خلال تقديم "مصفوفة إنقاذ" عمالية وشعبية واضحة المعالم، فتأكيد الاتحاد على ضرورة إعادة هيكلة الأجور والمرتبات بما يتناسب مع الواقع المعيشي الفعلي، وضبط الأسواق، يمثل نقلاً للمعركة من سياق الوعود التخديرية والشكلية إلى سياق القرارات التنفيذية الملزمة.
ولم تعد الطبقة العاملة المسنودة بالحراك الشعبي والسياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي مستعدة للقبول بـ"الحبر على ورق"، بل باتت تطالب بآليات عمل فورية تضمن كرامة المواطن وحقه في الحياة الحرة الكريمة فوق أرضه وثرواته المستباحة.
يحمل البيان رسالة تصعيد شديدة اللهجة ذات أبعاد دولية ومحلية؛ فالاحتشاد أمام البعثة الأممية يمثّل إشهاراً لورقة الضغط الجماهيري أمام مجلس الأمن والمبعوث الدولي، لكسر حالة الصمت المريب تجاه سياسة التركيع الاقتصادي التي تُمارس ضد الجنوب.
كما يؤكد أن هذه الوقفة ليست نهاية المطاف، بل هي تدشين لمرحلة نضالية سلمية مستمرة ومتصاعدة لن تتراجع إلى الوراء بأي حال من الأحوال. فنقابات عمال الجنوب تثبت مجدداً أنها صمام أمان المشروع الوطني، وأن إرادة الشعب الجنوبي في انتزاع حقوقه وحماية سيادته الوطنية باتت عصية على الانكسار أو الالتفاف.