في الهوية ... اليمن انموذجا

د. شهاب القاضي

توطئة :

احاول في هذه العجالة ان استنطق مفهوم الهوية ، في تمظهره وحضوره العلمي ، كي استكشف جذور العنف والتعصب حين يتجلى هذا المغهوم ثباتا وجمودا واستنقاعا في المجتمع والافكار، التي تغذيها روافد الماضي العتيق بينما هي تكرس مصالح سياسية واجتماعية للقوى الفاعلة في راهن ايامنا ولمصلحتها . 
مفهوم الهوية من بين المفاهيم التي تحوز التباسا في تقبله والتعامل معه حد الاشتباك ، إذ لم نعد نستطيع ان نقول الحقيقة تحت ضغط التكريس الاعلامي العصبوي الذي تكون من بين مخرجاته ؛ شباب ينهج التعصب والغلو والمصادرة لكل مالا يتفق مع فكره الاحادي المتصلب ، ولكي لا نربي اولادنا على معلومات تستمد من مصادر التعصب والجهل و مسوغات سفك الدماء ، احاول في هذه الاطلالة ان نناقش مفهوم الهوية الذي طالته كتابات غير دقيقة اي غير علمية .

في معنى الهوية :

هل للهوية معنى واحدا ؟ ام ان الهوية مفتوحة للتعدد كما يقول محمود درويش ( لا الشرقُ شرقٌ تماماً ولا الغربُ غربٌ تماماً, فإن الهوية مفتوحَةٌ للتعدّدِ) وهل لها معنى قار ام انها حقل للمتغيرات ؟ وهل لي كجماعة ان استبدل هويتي بسبب متغير خارجي ، سياسي ام اقتصادي او ثقافي ؟ هل الهوية هي جذر الانتماء ؟ ام الانتماء هو روح الهوية ؟ هل الهوية متغيرة في مجتمعات متغيرة كما يرى الى ذلك صموئيل هنتجتون ، ام انها صفة لاتتغير تميل الى معنى الجوهر . ويتعريف بسيط للهوية هي مجموع السمات للفرد او المجموعة التي تجعله متميزا بخصائص لا تتوفر في غيره او كما قال الفارابي ( هُويّة الشّيء وعينيّته وتشخّصه وخصوصيّته ووجوده المنفرد له كلٌّ واحدٌ. إنّه هو إشارة إلى هويّته وخصوصيّته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك) (1) الهوية تتميز بالفردية التي ليس لها اشتراك مع الافراد او الجماعات الاخرى اذ لكل جماعة مشتركا جمعيا ونفسيا يؤسس انتماء أعضائها وإحساسهم بالوجود الجماعي وبالامن والاقتصاد المشترك 
والهوية انواع سوف نكتفي بذكر الاتي : 
الهوية التاريخية ، الهوية الوطنية ، الهوية الثقافية فكيف تجلت انواع الهوية في التجربة التاريخية القديمة والمعاصرة لليمن ؟

الهوية التاريخية : 
في المنطقة التي حددها ياقوت الحموي (574 - 626 هـ) في معجم البلدان وهي اليمن ،قال ( واليمن اقليم يمتد من وراء تثليث وهي مدينة جنوب الحجاز وماسامتها ، الى صنعاء وماقاربها الى حضرموت والشحر وعمان الى عدن ابين ومايلي ذلك من التهائم والنجود واليمن يجمع ذلك كله ) (2 )تعيش المجموعة من السكان من عسير شمالا وحتى اخر حدود سلطنة عمان ، الا انه بالرغم من ذلك فهناك انتماءات جهوية سميت وباثر تكوين الكيانات السياسية باسماء محددة تعود اليها، وتنتمي لها كهوية وطنية لا تشير الى الاقليم الكبير اليمن . حدث هذا منذ فجر التاريخ مع نشوء الدول اليمنية القديمة التي كانت تحمل اسماء خاصة بها ، وكذلك الدول التي نشأت في التاريخ الوسيط كالدولة الزيادية والصليحية ودولة بني رسول والدولة الطاهرية . الا ان اسم اليمن كان موحدا للقبائل التي هاجرت بعد انفجار سد مأرب او اثناء الفتوح الاسلامية وفي التراث الديني والثقافي للثقافة العربية منذ قبل الاسلام وحتى اليوم واصبحت اليمن هوية تاريخية لا مناص من تأكيدها او يمكن الهروب منها . الا ان مسار التاريخ كان متميزا في اتجاهات جهوية بارزة وبالذات بين هضبة اليمن شمالا وجنوب اليمن من حيث التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي جعل اليمن منقسما الى هويتين وطنيتين جنوبية وشمالية.

اليمن : هويتان كبريان وهويات صغرى

بحسب المسار السياسي للتاريخ اليمني المعاصر اي منذ عام 1735 فقد عرف الجنوب تحولات متميزة تختلف عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها الشمال وقد برزت الوطنية الجنوبية إنطلاقا من مفهوم الوطن الجنوبي الذي تأكد من خلال التحولات التاريخية الملموسة للتكوين السياسي الجنوبي في هذه البقعة من العالم والذي سماه القومندان بالبلاد المشرقية من عدن إلى أعالي حضرموت ، حيث قال ان البلاد المشرقية من باب المندب إلى أعالي حضرموت ملت من الفوضى وظلم العمال فتشوقت لاستقلالها القديم واستعانت بالرحمان الرحيم)( 3)
كان ذلك عندما كان الجنوب تحت سيطرة حكم الائمة وبالذات في عهد المتوكل بالله اسماعيل ، وكانت سيطرة الائمة تتم باستخدام الولاة او العمال الذين يحكمون باسم الامام . وعقب وفاة الامام المتوكل بالله اسماعيل وفي عهد الامام المؤيد محمد بن اسماعيل بن القاسم في عام 1682 وماتلته من سنوات ، بدأت الاوضاع في التململ والخروج عن سيطرة الائمة. يقول حمزة لقمان ( في عهد هذا الامام ، ازدادت الفوضى انتشارا في اليمن وفي المشرق ، والمشرق هو عدن والسلطنات والامارات الواقعة في جنوب اليمن ويطلق عليها اليوم جنوب الجزيرة العربية ) (4)
وقد تعدد خروج المشيخات والامارات والسلطنات الجنوبية ، من ربقة سلطة الائمة في صنعاء وكان اخرها في عام 1728 وقد اورد الشاعر احمد فضل بن علي محسن العبدلي( القومندان) ماقاله القبطان بليفر معاون والي عدن في كتابه تاريخ بلاد العرب الذي كتبه عام 1859 الموافق سنة 1276هجرية ( خلع شيخ قبيلة العبادل المسمى " فضل بن علي بن فضل بن صالح بن سالم " طاعةإمام صنعاء حسين بن قاسم المنصور ، عام 1728الموافق 1141 هجرية ،واعلن بانه امير مستقل بعد محالفة جاره القوي سلطان يافع على أن يستملك فضل ابن علي بندر عدن الحصين ،وان يتداولا خراج البندر بالمساوية ، وتم لهما الفوز عام 1735 الموافق 1148 هجرية وقال ، بعد ستة اشهر نقض العبدلي محالفة رفيقه سلطان يافع ودعا نفسه سلطانا مستقلا" (5) .في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الجنوب نشأ بناء سياسي منسجم ومتجانس تقريبا من المشيخات والامارات والسلطنات على مستوى الجنوب كله ،الامر الذي لم يكن موجودا على هذه الشاكلة السياسية في اليمن الاعلى او اليمن الاوسط او اليمن الاسفل او الديار اليمنية بحسب تعبير محمد بن اسماعيل الكبسي في كتابه اللطائف السنية ، وهي التسمية التي كان يطلقها ويطلق على ماعداها من مناطق الجنوب اسم الشرق (6) .ظل الحال كما هو عليه الى ان قامت بريطانيا بإحتلال عدن في 19 يناير 1839 ميلادية . وهذا التحول الذي عرفه الجنوب والشمال في الهوية هو تحول حقيقي يستند الى وقائع موضوعية ومعطيات دالة وهو ليس تحولا جهويا اي تحولا فرضه المكان كما وصفه عبدالله السالمي في دراسته اليمن والهوية الوطنية ولكنه كان تحولا حقيقيا فرضته حركة التاريخ التي ميزت بينهما ، كل في اتجاه . فاصبح لليمن هويتان كبريان هما :الهوية الوطنية الجنوبية والهوية الوطنية الشمالية وكل هوية تنطوي على هويات صغرى قبلية وعشائرية وجهوية مناطقية بحيث يبدو اليمن وكأنه فسيفساء وتجمعات سكانية تفترض صعوبة التماسك والتواشج فيمابينها يذكرني ذلك ، بما اورده حنا بطوطو في كتابة العراق على لسان الملك فيصل بن الحسين في مذكرة سرية له ( اقول وقلبي ملآن اسى انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد ، بل توجد كتلات بشرية خيالية خالية من اي فكرة وطنية متشبعة بتقاليد واباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة ، سماعون للسوء ، ميالون للفوضى ، مستعدون دائما للانتفاض على اي حكومة كانت ، نحن نريد والحالة هذه ان نشكل من هذه الكتل شعبا نهذبه ، وندربه ونعلمه ،ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب ان يعلم عظم الجهود التي يجب صرفها لاتمام هذا التكوين ، وهذا التشكيل ) (7)

الهوية الثقافية : 
خلق المسار السياسي لكل من الشمال والجنوب هوية ثقافية تميز كليهما ، والمقصود بالهوية الثقافية هي التعبير الأساسي عن الخصوصيّة التاريخيّة لمجموعةٍ ما من السكان الذين يوحدهم الكيان السياسي والظروف الاجتماعية والحياة الاقتصادية المشتركة فتنشأ اشكال التعبير الثقافي الذي يدل على الخصوصية في الفن والادب والعاداث والموروث الشعبي والامثال والتعبيرات الدينية الخاصة . وقد توفر ذلك في الشمال والجنوب مع بعض المؤثرات المشتركة على سبيل المثال حظي لون الغناء الصنعاني باهمية في عدن الى جانب الوان الغناء الاخرى التي تميز بها الجنوب كاللون الحضرمي واليافعي واللحجي والعدني اضافة الى اشكال وخامات الازياء الشعبية للنساء والرجال التي تميز بها الجنوب عن الشمال والعكس صحيح .اضافة الى ذلك ينتشر في الشمال مذهبين هما المذهب الزيدي والمذهب الشافعي بينما في الجنوب ينتشر المذهب الشافعي وليست لديهم لا هاشمية او قحطانية ولا بكيلية ولا حاشدية .

هويّة الدولة الوطنيّة :
هي مجموع السّمات والخصائص المشتركة الّتي تميّز أمةً أو مجتمع أو وطن معيّن عن غيره، يعتزّ بها وتشكّل جوهر وجوده وشخصيّته المتميّزة اما تسمية الدولة فهي متغيرة ، فهناك الكثير من الدول من غيرت اسمائها من مرحلة سياسية الى اخرى دون ان يؤثر على هوية المجتمع وشخصيته . والامثلة على ذلك كثيرة في التاريخ السياسي لنشوء الدول في العالم .

القضية الوطنية اليمنية قضيتان :القضية الوطنية الجنوبية والقضية الوطنية الشمالية :

القضية الوطنية اليمنية ، كانت تعني فيما تعني قضية الوحدة اليمنية ومبدأ استقلال القوى الوطنية في اليمن وهذا ، الامر مضمر في وثائق وادبيات الحركة الوطنية اليمنية ممثلة باحزابها القومية واليسارية . لكن الا تدعونا الاحداث ولاسيما بعد حرب مارس 2015 وحتى اليوم الى مراجعة هذا المفهوم ؟ اليست هنالك قضية وطنية جنوبية بكل تعالقاتها وابعادها ومسائلها الاشكالية ، كما توجد اليوم قضية وطنية شمالية تنطوي على مهمات وموضوعات سياسة غير منجزة وتتطلب من ابناء الشمال مواجهتها وحلها ..اذا" لم تعد القضية الوطنية اليمنية هي قضية الشمال والجنوب ، لقد سلخت الاحداث هذا المفهوم واصبح لليمن قضيتان :القضية الوطنية الجنوبية والقضية الوطنية الشمالية . وكلتا القضيتان معقدتان من حيث قضاياهما الفرعية و قواهما الفاعلة ومن حيث طبيعة الهوية وطبيعة الانتماء .

الهوامش :

1) جميل صليبا ، المعجم الفلسفي، الجزء الثاني، دار الكتاب اللبناني 1982، ص.530
2) شهاب الدين ابي عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي البغدادي ، معجم البلدان ، تحقيق فريد عبدافعزيز الجندي ، دار الكتب العلمية بيروت ، المجلد الخامس، ص :511

3)احمد فضل بن علي محسن العبدلي ، هدية الزمن في اخبار ملوك لحج وعدن ،المطبعة السلفية ومكتبتها - القاهرة 1351 هجرية ص :124 
4) حمزة علي ابراهيم لقمان ، تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية ،1960 سلسلة مائة كتاب عرض وتقديم اسماء احمد الريمي ، اصدارات جامعة عدن لعام 2008 ص : 132 
5) هدية الزمن ص: 127 
6) محمد بن اسماعيل الكبسي ، اللطائف السنية في اخبار الممالك اليمنية ، حققه وضبط نصه وعلق عليه ، ابوحسان خالد ابازيد الاذرعي ، مكتبة الجيل الجديد - صنعاء ص : 61 ، 328، 331 ، 386 ، 439 وغيرها .
7) حنا بطاطو ، العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية ، الكتاب الاول ، ترجمة عفيف الرزاز الطبعة العربية الثانية -بيروت 1995،مؤسسة الابحاث العربية ص: 44


مقالات الكاتب