قصور السلطنة العبدلية في لحج.. إرثٌ تاريخي يُعاني الجفوة والإهمال (تحقيق مصور)

الاثنين 01 أبريل 2019 3:55 م
قصور السلطنة العبدلية في لحج.. إرثٌ تاريخي يُعاني الجفوة والإهمال (تحقيق مصور)

قصور سلاطين السلطنة العبدلية في مدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج، شواهد تاريخية مازالت منتصبة لأكثر من 100 عام، تحكي مرحلة متفردة كانت تتصدرها السلطنة.
ورغم مرور تلك السنوات على تشييد تلك القصور وتعرضها لأشكال العبث، فإن الكثير منها استطاع أن يصمد في وجه تقلبات الزمن، ليبقى إرثا تاريخياً تتناقل حكاياته الأجيال قصصاً جميلة تحكي روعة الإنسان اللحجي البسيط، في زمن الامكانيات البسيطة.
"المشهد العربي" اقترب من قصور سلاطين السلطنة العبدلية وخرج بهذا التحقيق المصور..

تحقيق / خلدون البرحي
مدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج، تكتنز بالعديد من دور وقصور سلاطين السلطنة العبدلية، وبعد مرور سنوات طويلة على بنائها وتشييدها الا ان بعضها ما زال يعتبر من أقدم وأطول المباني في المدينة.

وتتواجد القصور في عدة جهات من مدينة الحوطة وفي مناطق مختلفة من مديرية تبن، وصولا إلى عدن، لكن تظل أبرز القصور تلك الموجودة في مدينة الحوطة باعتبارها كانت عاصمة القرار السلطاني، وقد تفرد كل قصر منها بطابعه الخاص من حيث البناء والتشكيل، لتتناسب تلك الدور والقصور مع تقلبات الأجواء المناخية صيفاً وشتاءً، وتتلأم مع مقتضيات الحياة اليومية التي عاشها أمراء السلطنة العبدلية في تلك الفترة، بصفتهم السياسية والثقافية والاجتماعية .

أبرز القصور
عند الحديث عن قصور السلاطين مع كبار السن ممن لحقوا وعاشوا مرحلة تشييد تلك القصور، أو اثناء القيام بدورها المعتاد في مدينة الحوطة، أو ما جاورها.
دائما يسبق الحديث الكثير من التنهدات والحسرات على حقبة زمنية يصفونها بأنها اجمل الحقب التي شهدتها مدينة الحوطة بشكل خاص وكل أجزاء السلطنة العبدلية وقتها.


ويقول معلم ووكيل الأميرة مريم العبدلي، أطال الله في عمرها، الأستاذ سند عياش عوض البان، أن ابرز قصور السلطنة في مدينة الحوطة ومعلمها المتميز والأشهر، هي قصور دار الحجر التي بنيت عام1920م، ولكن أقدم القصور التي شيدت في الحوطة هي: دار حمادي، ودار عبدالله، وقد بناهما عمال الإمام المتوكل والإمام المنصور، عندما اتخذا الحوطة عاصمة لمحافظة لحج لأول مرة بعد الرعارع العاصمة التاريخية والأثرية.

ويضيف سند، أن من بين أبرز قصور السلطنة العبدلية، هو قصر دار الحكم الذي بُني العام 1910م، وقصر الروضة الذي بُني عام 1346هـ، وقصر لحج الجديدة، وقد سُمي بهذا الاسمـ لبنائه وقتها خارج مدينة الحوطة، إلى جانب قصور دار عبدالله في شارع المحدادة، وقصر دار لكوى في حارة قيصى، وقد اشتهرت بعض من حواري مدينة الحوطة بتلك القصور.

قصر دار الحكم

مواد البناء 
تختلف المواد التي استخدمت في بناء تلك الدور والقصور في الحوطة وتباينت أشكالها وأحجامها وتنوعت المواد المستخدمة في البناء، حيث بُني بعضها من مادة اللبْن (الطين)، والبعض الآخر من أحجار جبلية خاصة، والبعض الاخر بني من الطوب الأحمر والمشهور بلغة أهل لحج بـ"الياجور"، ومنها ماستخدم فيها الجارة الجبلية والطوب الأحمر معا.
ويتشابه قصر دار الحجر مع قصر باكنجهام في بريطانيا، وقد بُني قصر دار الحجر، وقصر مهدي بن علي، من الأحجار الجبلية والطوب الأحمر بشكل متناسق وجميل وبأحجامٍ وأشكالٍ متساوية، ولم يستخدم فيها الدعامات الطولية (الكابات)، أوالعرضية (الجسور)، ما أعطى القصرين تفرداً عجيباً عن باقي القصور، وهو ماجعلها تصمد في وجه الزمن وتقلباته المناخية والأياد العابثة التي سعت إلى طمس تلك الملاح التاريخية العظيمة.

وقد بني قصر دار الحجر على أيدي مهندسين هنود، ويتوازيان القصران في الارتفاع وصولاً إلى ثلاثة طوابق، لكن قصر دار الحجر بحجمه الكبير عن قصر مهدي بن علي.
وتكثر في القصرين النوافذ التي تصل إلى ما يقرب من 40 نافذة خارجية وداخلية، إلى جانب مايقاربها عدداً من الأبواب في كلا القصرين، حيث تفصلهما مسافة تكفي لمرور شاحنة صغيرة، وتُؤكد بعض الروايات أن هناك نفق أرضي يصل بين قصور دار الحجر، وحتى قصر الروضة (كلية الزراعة حاليا .

حديقة الأندلس يعاد ترميمها

ويطل القصران على حديقة كبيرة تسمى (حديقة الأندلس)، كانت تحتوي على نافورة جميلة الطراز، وتمتلئ الحديقة بمختلف الأشجار والأزهار العطرية وألوانها الجذابة والمساحات العشبية، إلى جانب أعمده تحاكي الطراز الروماني، لتُعطي انطباعاًَ متميزاً، وتُوحي إلى أن هذا المكان خارج السلطنة، أو في إحدى الدول العربية، أو الأوربية، وقد اندثرت الحديقة، وتجري محاولات هذه الأيام لإعادتها إلى طابعها القديم.

كما يتميز قصر الروضة بطرازه المعماري الرائع، وقد شيّد على مساحة 8 فدان، وبُني من مادة الطوب الأحمر على هيئة القصور الهندية، وغُطيّت سقوفه بالأخشاب القوية، التي مازالت محافظة على رونقها وشكلها سليمة، من دون أي تغيير حتى اليوم، على رغم مرور عشرات السنين على بنائه، وما تعرض له من ضرر نتيجة الحرب الأخيرة التي حدثت في ساحته بين المقاومة الجنوبية، في المدينة ومليشيات الحوثي، وأنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وكذالك الحال مع القصور الأخرى التي اختلفت وتنوعت أشكالها وأحجامها والمواد التي استخدمت في بنائها، وإن كان بعضها لا يحمل إسماً.

المهام 
لم تكن قصور السلاطين مجرد قصور للسكان، وإظهار الترف الذي يعيشه السلاطين في تلك الفترة، بل كان العديد منها يؤدي مهاماً مختلفة تعكس الحكمة من تشييدها.
فقد كانت القصور دور علمٍ وملتقيات لأهل الثقافة والأدب، ومنطلق الغناء اللحجي المعروف بلونه المتميز والجميل، كما تفردت بعض القصور الأخرى بدور سياسي، من خلال تحويل غرفها وقاعاتها لصالات تستقبل كبار الشخصيات المدنية والعسكرية ومبعوثي السلطات البريطانية، وقد كانت تلك القصور منطلق القرارات والقوانين والدساتير التي تنظم حياة العامة في السلطنة العبدلية وتحفظ حقوقهم وتوجههم نحو واجباتهم اليومية.

قصر الروضة (كلية الزراعة حاليا)

مرافق حكومية
ويقول سند، بعد إخلاء القصور من ساكنيها، وتأميمها بعد استقلال الجنوب، من الاحتلال البريطاني العام 1967م، تم تحويل الكثير من الدور والقصور إلى مرافق حكومية وعسكرية للعديد من مكاتب الوزارات والوحدات والبعثات الطبية في المحافظة، في حين سلمت بعض من تلك القصور للمواطنين.
موضحا أن بعض غرف قصر دار الحجر تم تحويلها إلى مكاتب لوكالة أنباء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الطابق الأرضي، والتي تحولت بعد العام 1990م، الى وكالة الانباء اليمنية "سبأ"، فيما كان الطابق الثاني مقراً لإذعة الشعب المحلية (اذاعة لحج المحلية)، وفي نفس الطابق مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.
وغير بعيد عن قصر دار الحجر فقد حُوّل قصر دار الحكم الى مقرٍ للمحافظة وللجان الشعبية ثم الاستخبارات العسكرية بعد قيام الوحدة، حتى وقت قريب .
أما قصر لحج الجديدة، فقد تم تحويله بعد الاستقلال إلى مكتب للخدمات الصحية، وسكن للبعثات الطبية الكوبية التي كانت تعمل في مستشفى عباس، كما حوّلت قصور أخرى إلى محاكم ونيابات.

إهمال رسمي
رغم ما تحتويه قصور ودور السلاطين في محافظة لحج من قيمة تاريخية عظيمة، باعتبارها شواهد على مراحل تاريخية ومنعطفات سياسية واجتماعية، كان لها تأثيراتها على وقع السلطنات والمحميات قبل الاستقلال بشكل عام، وعلى واقع محافظة لحج بشكل خاص، فأن تلك الدور والقصور لم تجد الاهتمام الرسمي المطلوب على مدى تعاقب السلطات المحلية بالمحافظة، ما أدى إلى ضياعها وضياع ما تكتنزه من تاريخ كبير يستحق أن يدرّس في المدارس والجامعات، وما يؤكد ذلك الأهمال واقع تلك القصور التي تحولت إلى "خرابات" بعد عمران، وطالها الدمار بعد التشييد, حتى اصبحت اليوم مساكن لمقتحمين من سكان مدينة الحوطة، شوهوا من ملامحها بعمل الاستحداثات التي عطلت جمالياتها، وطمست ملامحها الجميلة وتاريخها العريق الزاخر بالعطاء الإنساني .

قصر مهدي بن علي بجانب قصر دار الحجر

مزارات تاريخية
ويقول نائب مدير مكتب السياحة محافظة لحج، فاكر محمد، أن دور وقصور السلاطين في محافظة لحج، نسجت خلف جدرانها صفحات من التاريخ لحقبة زمنية حملت في طياتها بدايات وإرهاصات الاحتلال البريطاني للجنوب العربي وسياساته التي مارسها على مدى قرن وربع حتى الاستقلال الناجز في 30/ نوفمبر 1967م .
ويضيف "أن تلك القصور والدور كان من الواجب الاهتمام بها وصيانتها وحفضها بعد تسويرها وتحويلها إلى مزارات تاريخية أمام الزوار من داخل وخارج المحافظة والوطن، والباحثين عن تاريخها وتاريخ سلاطين السلطنة العبدلية، ومآثرهم على امتداد قرن ونيف من الزمن"، مشيراً إلى أن مكتب وزارة السياحة حاول بامكانياته المتواضعة عمل بعض اللوحات أمام تلك الدور والقصور من منطلق الإشارة إليها، وتعريف المارة بها خاصة من الغافلين بتاريخها، أو القادمين من خارج المحافظة .

عدد القصور
تحتوي محافظة لحج وتحديدا مديريتي الحوطة وتبن، ما يفوق على 18 قصراً ودوراً، بناها سلاطين السلطنة العبدلية على امتداد حكم السلطنة، لكنها عانت من الجفوة والاهمال حتى صار بعضها أثراً بعد عين، يُضاف إليها قصر البراق، أو الشكر في محافظة عدن، والذي هو افضل حال من تلك التي بُنيت في مسقط رأس الأسرة العبدلية بحوطة لحج، مع ذلك تبقى السلطنة العبدلية وقصورها حضارة عميقة لم تُكشف كل أسرارها حتى يومنا هذا.

قصر لحج الجديدة
مدفع كان يستخدم في رمضان للإعلان عن وقت الإفطار

التعليقات