تحليل: الرياض أمام اختبار مصيري: الجنوب والحوثي وإيران في معادلة واحدة
الرياض أمام اختبار مصيري: الجنوب والحوثي وإيران في معادلة واحدة
الدكتور توفيق جازوليت
تدخل الرياض مرحلة شديدة التعقيد، حيث تتقاطع ثلاثة تحديات ضاغطة في آنٍ واحد: شعب جنوبي يرفض الوصاية ويتمسّك بحقه في استعادة دولته، وخصم حوثي أثبت عمليًا قدرته على تهديد العمق السعودي، وإيران التي تمضي بثبات نحو ترسيخ موقعها كقوة إقليمية فاعلة في معادلات ما بعد الحرب.
في هذا السياق، تبدو المقاربة السعودية في الجنوب أقرب إلى إدارة أزمة بأدوات تقليدية فقدت فعاليتها، إذ تُختزل قضية مصيرية بحجم الجنوب في حسابات ظرفية، سرعان ما تصطدم بوعي شعبي متجذر يرفض الاحتواء والمساومة. فالمعادلة لم تعد كما كانت، والجنوب لم يعد ساحة قابلة لإعادة التشكيل وفق تفاهمات فوقية.
إن الرهان على أدوات الضغط — سواء عبر الاستقطاب أو فرض الوقائع — لم يعد يُنتج استقرارًا، بل يُعمّق حالة الرفض ويُسرّع من تآكل الثقة. وما يُسوَّق كنفوذ، ليس في حقيقته سوى انكشاف تدريجي لمقاربة سياسية عاجزة عن مواكبة تحولات الميدان والواقع.
وفي موازاة ذلك، يفرض الحوثي معادلة ردع غير مسبوقة، تجعل من الأمن السعودي في حالة استنزاف دائم، بينما يضيف الدور الإيراني المتصاعد بُعدًا استراتيجيًا أكثر تعقيدًا، في ظل سعي طهران إلى تثبيت حضورها في قلب التوازنات الإقليمية.
أمام هذا التشابك، لم تعد الرياض تواجه ملفًا واحدًا، بل شبكة أزمات مترابطة: جنوب يرفض الوصاية، خصم يهدد العمق، وقوة إقليمية تعيد رسم قواعد اللعبة. وهي معادلة تُسقط كل الرهانات التقليدية، وتفرض مراجعة جذرية لا تحتمل التأجيل.
وفي نهاية المطاف، تبدو الرياض وكأنها تدفع ثمن تراكمات سياسية قصيرة النظر، إذ تجد نفسها محاصرة بأزمات صنعت جزءًا كبيرًا من شروطها. فلا الجنوب قابل للاحتواء، ولا الحوثي قابل للتجاهل، ولا إيران يمكن تحييدها بسهولة.
وبين هذه الضغوط المتقاطعة، تضيق خيارات القرار السعودي إلى حد غير مسبوق، لتقف أمام واقع قاسٍ: إما تغيير جذري في النهج، أو الانزلاق أكثر نحو مأزق استراتيجي عميق يجعلها في موقع لا تُحسد عليه، حيث تتآكل الأوراق وتُفرض الوقائع من خارج إرادتها.