تحولات المسار: كيف تخلت الرياض عن حلفاء النصر لإرضاء خصوم الأمس؟
شهدت خارطة التحالفات في المنطقة تحولاً دراماتيكياً ومفاجئاً، صدم الجميع بعدما قادت السعودية استدارة استراتيجية غير متوقعة.
هذا التحول جاء ليمثل نكراناً صريحاً للأدوار المحورية التي لعبتها دولة الإمارات العربية المتحدة، والشركاء على الأرض متمثلين في المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقوات المسلحة والأمن الجنوبية بقيادة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، والذين كانوا الركيزة الأساسية في صد التمدد الحوثي وتثبيت مداميك الأمن في محافظات الجنوب.
فقد قدمت دولة الإمارات نموذجاً استثنائياً في الدعم والمساندة؛ فلم تبخل بتقديم الدعم السخي في المجالات الإغاثية والخدمية والعسكرية، بل عمدت هذه الشراكة بدمائها الزكية، حيث قدمت فلذات أكبادها من جنودها البواسل في معارك تحرير الأرض الجنوبية الطاهرة وتطهيرها من الجماعات الإرهابية.
هذا التلاحم الميداني بين القوات الجنوبية والإماراتية كان الضامن الوحيد لمنع سقوط المنطقة في فوضى عارمة، وحماية الممرات الملاحية الدولية، وهو منجز ما كان لينمو لولا العقيدة الصلبة والوفاء المطلق الذي أبداه الجنوبيون وقيادتهم.
هذا المشهد الميداني المستقر تعرض لطعنة غير متوقعة من قِبل الرياض، التي اختارت "بين عشية وضحاها" الارتداد عن حلفائها الحقيقيين.
جاء هذا التغير المفاجئ في السياسة السعودية مدفوعاً برغبة واضحة في استرضاء تنظيم الإخوان الإرهابي وتمرير تفاهمات أحادية مع ميليشيا الحوثي الإرهابية.
تبلور هذا الخذلان بشكل فج عقب الموقف التاريخي الشجاع الذي اتخاذه الرئيس عيدروس الزُبيدي، برفضه القاطع لما سُمي بـ "خارطة السلام" التي رعتها الرياض، واصفاً إياها بأنها صياغة تحمل الهوان والضعف لأبناء الجنوب.
تكمن خطورة تلك الاتفاقيات المفروضة في كونها تسلب شعب الجنوب ثرواته السيادية وحقوقه المشروعة، وتمنح شرعنة مجانية للميليشيات الحوثية، فضلًا عن محاولتها إعادة إنتاج منظومة الاحتلال اليمني للجنوب تحت غطاء ميليشياوي وأيديولوجي جديد.
كما أن محاولة تهميش المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقواته المسلحة، ومحاصرة الدور الإماراتي الرائد، لا تعكس فقط نكراناً للجميل وتضحيات الحلفاء الصادقين، بل تمثل مغامرة استراتيجية غير مأمونة العواقب، حيث تُستبدل القوى الباحثة عن الاستقرار ومكافحة الإرهاب بكيانات هشة لن تزيد المشهد إلا تعقيداً واشتعالاً.