انحراف البوصلة.. قراءة في أسباب وعواقب استهداف الرياض للقوات الجنوبية

الثلاثاء 30 يونيو 2026 16:44:42
testus -US

يمثل مسار العلاقة بين الجنوب والسعودية نموذجاً صارخاً للتحولات البراغماتية في العلاقات الدولية، حيث تحولت الرياض تدريجياً من موقع الشريك العسكري المؤازر إلى مربع الخصومة غير المعلنة.

جاء هذا التحول على الرغم من أن القوات المسلحة الجنوبية كانت بمثابة "رأس الحربة" والركيزة الحقيقية الوحيدة التي اعتمد عليها التحالف العربي في كسر التمدد الإيراني وتثبيت الاستقرار الإقليمي.

لقد دون التاريخ محطات ناصعة تثبت أن القوات المسلحة الجنوبية كانت الحليف الصادق والمؤتمن؛ ففي لحظة فارقة من عمر الحرب، انطلقت هذه القوات بعقيدة وطنية صلبة لتحرير الأرض، ممتدة في انتصاراتها الخاطفة من العاصمة عدن وحتى مضيق باب المندب الاستراتيجي، مسجلةً أول وآخر الهزائم الفعلية لمليشيا الحوثي الإرهابية.

ولم يتوقف العطاء عند حدود الجبهات، بل خاضت القوات الجنوبية والأمن حرباً ضروساً ضد الإرهاب العابر للحدود، فتمكنت من تطهير جغرافيا الجنوب العربي من أعتى خلايا تنظيمي "داعش و القاعدة" في عمليات نوعية حظيت بإشادات دولية.

ومع ذلك، بدأت ملامح التبدل في الموقف السعودي تبرز من خلال محطات ومؤشرات سياسية وعسكرية واضحة. تمثلت المحطة الأولى في سعي الرياض لإنشاء وتفريخ كيانات عسكرية وميليشياوية موازية في الجنوب، بهدف سحب البساط من تحت أقدام القوات الجنوبية النظامية وتقليص نفوذها.

وتجلت المحطة الثانية في ممارسة سياسة "الحصار الخدمي والاقتصادي" الخانق على محافظات الجنوب المحررة، عبر تعطيل الدعم وقطع المرتبات، في محاولة واضحة لإنتاج حاضنة شعبية ساخطة تضعف من قوة وتماسك المجلس الانتقالي والقيادة الجنوبية.

أما المحطة الأبرز والأكثر خطورة، فقد تمثلت في رعاية الرياض لتفاهمات منفردة مع الميليشيات الحوثية، ومحاولة فرض "خارطة طريق" تسلب الجنوبيين سيادتهم وثرواتهم وتمنح المعتدي الحوثي صك الغلبة والشرعية.

هذه التحولات المتسارعة تؤكد كيف استبدلت الرياض الوفاء للحليف الصادق بسياسات الالتفاف والاسترضاء لخصوم الأمس، متناسية أن القوة التي حررت الأرض بدمائها لن تقبل بفرض واقع جديد ينتقص من تضحيات أبطالها أو يجدد احتلال أرضها تحت أي مسمى.