القوات الجنوبية وسيادة القرار.. بين استقلالية القضية ورفض رهان الاستنزاف

الأحد 13 سبتمبر 2026 18:22:55
testus -CN

رأي المشهد العربي

تتزايد الدعوات التي تطالب بانخراط القوات المسلحة الجنوبية في التصعيد العسكري الدائر بين مليشيا الحوثي وأطراف الوصاية التقليدية، وهي دعوات تتجاهل عمدًا الجوهر السياسي لقضية شعب الجنوب.

النظر إلى القوات الجنوبية كوقود للمعارك أو مجرد أداة تنفيذية في أزمات لا تخدم المشروع الوطني الجنوبي يعكس حالة من القصور السياسي والقفز على الواقع الميداني، إذ إن المجلس الانتقالي للجنوب العربي يقف اليوم كطرف سياسي مستقل يمثل إرادة شعب الجنوب، ويحمل على عاتقه أمانة تطلعاته الوطنية وتضحياته التراكمية، ولا يمكن اختزال موقفه في أجندات القوى المتصارعة على النفوذ.

يحاول أصحاب هذه الطروحات تناسي حقيقة ناصعة مفادها أن القوات المسلحة الجنوبية كانت ولا تزال رأس الحربة في مواجهة المشروع الحوثي؛ فقد خاضت معارك معمدة بالدماء لتطهير كافة الأراضي الجنوبية من دنس المليشيات.

كما أن القوات الجنوبية لا تزال حتى اللحظة تخوض مواجهات محدمة على طول الجبهات الحدوديّة من الضالع وكرش وصولاً إلى مكيراس ويافع دفاعًا عن أمن الجنوب واستقراره وحماية حدوده.

ومِن ثَمّ، فإن القوة العسكرية الجنوبية لم تكن يوماً متقاعسة عن المواجهة، لكن قرارها العسكري مقترن بالكامل بغايتها الوطنية المشروعة في صون أرض الجنوب وشعبه.

من هذا المنطلق، فإن أي قرار سياسي أو عسكري يخص تحريك القوات الجنوبية يجب أن ينطلق حصراً من استراتيجية عليا ترعى مصالح الجنوب العليا وتخدم قضيته العادلة، بعيداً عن أسلوب الإملاءات والرغبات الخارجية.

القيادة السياسية والعسكرية في الجنوب تمتلك الكفاءة والسيادة الكاملة لتقييم الموقف الميداني، ولا يمكن أن تخضع مسارها لأجندات لا تعترف بحقوق الجنوبيين ولا تضع قضيتهم في صدارة الاستحقاقات السياسية القادمة، بل تستخدم شجاعة المقاتل الجنوبي كأداة لتحسين شروط التفاوض لأطراف أخرى.

وبات واضحًا أن زمن الانتهازية السياسية التي تجعل من القوات الجنوبية مجرد رأس حربة في خطوط القتال لغرض الاستنزاف، ثم تعمد إلى تهميش الجنوب وقضيته الوطنية عند الذهاب إلى طاولات التسوية الدولية والمبادلات السياسية، قد مضى دون رجعة.

الشراكة الحقيقية والسلام المستدام لن يتحققا إلا بالاعتراف الكامل بشرعية القضية الجنوبية وبصفتها ركناً أساسياً لا يمكن تجاوزه، وأن التضحيات التي يقدمها أبناء الجنوب على أرضهم هي لحماية حقهم الأصيل في بناء مستقبلهم الحر والمستقل.