المجلس الانتقالي واستكمال استعادة هوية الجنوب السياسية

قد يغمض مصطلح (هوية الجنوب السياسية) لدى معظم القرَّاء ،وحتى لا يغدو الأمر غامضاً ،فأن قراءَتي للتاريخ السياسي الجنوبي ،قد مخضت هذا المصطلح كصيغة أتوخَّى بها الدقة في التوصيف ،فالهوية السياسية الجنوبية السياسية قد تعرَّضتْ للخطف والتقويض منذ 30 نوفمبر 1967م، وبدافع قومي ،حين تم التوقيع على اتفاقية الاستقلال عن بريطانيا ،وبتواطئ عربي (جمال عبد الناصر) إبان الزخم العربي القومي، وعن جهلٍ سياسي من الطرف الجنوبي الموقِّع على تلك الاتفاقية حينها ،وظل الحال على هذه الصيغة ،وبهوية سياسية مزورة مخضت بصيغة جمهورية (اليمن الجنوبية الشعبية) مروراً ب(اليمن الديقراطي ) وصولاً لصيغة (الجمهورية اليمنية) في عام 1990م.

وفي أثناء تلك التحورات التدريجية المُدلِّسة للحقيقة التاريخية التي كانت شاخصة من خلال صيغة (اتحاد الجنوب العربي )فيماقبل 30 نوفمبر 1967م _كان هذا التدليس المبيت ،قد فعل فعلته في تشقق الهوية السياسية الجنوبية ،وانزياحها شبه النهائي في نظر الإقليم المحيط بالجزيرة العربية والوطن العربي كافة ،وكذا المحيط الدولي إذا ماعلمنا إن المجتمع الدولي ،بل وحتى العرب ،كانوا يرون مُسمى (اليمن) يشير إلى دولة تشطرت ليمنيين (هذا فيما يخص المتابعين المهتمين بالسياسة والجغرافيا )وهم ليسوا بقلَّة في المجتمعات العربية والأوربية وغيرها من العالم .

وانطلاقاً من هذا الاضطراب المفهومي ،تم تغييب الهوية السياسية الجنوبية ردحاً من الزمن يمكن أن نحصره زمنياً من (30 نوفمبر 1967م حتى 30 يناير 2018م)كمخاض لإرهاصات انبثقتْ في الربع الأول من عام 2015م ،وقد دشنت مقولة الرئيس (عبدربه هادي ):"جنوب 2015م ليس كجنوب 1994م" مخاطباً التمرد الحوثي حينها ،ثم توُّجها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في حواره مع قناة(فرانس 24) مؤخراً في قوله :"إن جنوب 30 يناير 2018م ليس كجنوب ماقبله " ويجب علينا أن نضع خطين عريضين تحت هاتين المقولتين ،بعد أن نحصي ما حققه الجنوبيون منذ مايو 2015م حتى اللحظة الراهنة .

ساعد التمرُّدُ الحوثي وانقلابه على النظام في صنعاء ،مرورا بتأسيس (المجلس السياسي) _ساعد الحركة الجنوبية الشعبية في التوثُّب لضفة تطلُّ على التاريخ السياسي الجنوب المغيب،بعد أن تم استكمال هاجس الشمال الجمعي في إلغاء كل ماهو جنوبي ، الذي بلغ ذروته في تقويض شرعية (هادي) الجنوبي، بل ومحاصرته واعتقاله ،ووضعه تحت الإقامة الجبرية ،وقبلها اختطاف (أحمد عوض بن مبارك ) ثم تمكُّن (هادي ) من الفرار نحو الجنوب (عدن) بعد أن ضاقت به جغرافيا الشمال جميعها ،ثم التدخل السعودي المباشر لترشيد خطاب (هادي ) في اليوم الثاني من وصوله (عدن) عبر إرسال السعودية (العطية) لتبليغ (هادي) بوضع فرامل في خطابه ،قبل مكاشفته الجنوبيين بالمسكوت عنه منذ زمن .

ثم يأتي اتحاد الجنوب في اصطفاف شعبي منقطع النظير للدفاع عن أرضه في أثناء الغزو الحوثعفاشي _ليمتِّن مؤشرَ استعادة الُلحمة الجنوبية ،ويتوُّج ذلك بتحرير الجغرافيا الجنوبية كافة ،مع بقاء جغرافيا الشمال تحت سيطرة الإنقلابيين حتى يومنا هذا ،ثم يأتي الملمح الجنوبي الجديد فيمابعد عبر تأسيس (المجلس الانتقالي الجنوبي ) الذي بدأ بتأسيس الأطر السياسية الجنوبية ،كالجمعية الوطنية ،والقيادات المحلية للمحافظات والمديريات ،ثم قبل ذلك امتلاك الجنوب لقوة عسكرية جنوبية محضة ،مخضت في أثناء وبعد المواجهات مع القوات الشمالية الحوث عفاشية ،فاكتسب الجنوب وجهاً سياسياً ووجهاً عسكرياً ،أفضى لأن يفرض الجنوب قراراته ،التي توُّجها بدعوته إسقاط الحكومة الفاسدة وطردها من الجنوب ،ويعدُّ هذا الحدث

_ وعلى الرغم من إبراز غاياته المموُّهة بإسقاط الحكومة _منعطفاً تاريخياً ،فرَضَ كياناً جنوبياً سياسياً ،يصعب تجاوزه من الداخل اليمني الحالي ومن الإقليم (الخليج ) والعرب كافة ،وكذا المجتمع الدولي ،بعد أن برز الجنوب كقوة سياسية ،يمثلها المجلس الانتقالي المدعَّم بالرؤية السياسية والقوة العسكرية الميدانية ،التي لو تم تجاوزها في الصراع العسكري والسياسي الحالي _لتقوَّضت كل الجهود الإقليمية والدولية التي تسعى لاستعادة استقرار الوضع في اليمن ،سواءً عن طريق إسقاط التمرد الحوثي عسكرياً أو عبر تسوية سياسية .

يمكن القول (ومن وجهة نظري على الأقل) إن خطوة المجلس الانتقالي في منح الرئيس (هادي) أسبوعاً لتغيير حكومة (بن دغر) _قد وضعتْ أول مداميك وملامح (هوية الجنوب السياسية ) التي تم استعادتها كاملة مما مخض من نتائج على الأرض ،ويمكن إجمالها فيمايلي :


1- إبراز الوجه السياسي التفاوضي للجنوب المتمثل بكيان (المجلس الانتقالي) كقوة سياسية جنوبية حليفة للتحالف العربي ،متماهيةً وموازية لإي حليف يوجد داخل كيان مسمى (التحالف العربي) بمافيها الشرعية اليمنية .

2_ بروز الجنوب مُمثَلاً بالمجلس الانتقالي ،كحليف للمجتمع الدولي، ساهم ويساهم بفعالية في نشر السلام ومكافحة التنظيمات المتطرفة ،بعد اشتراطه وقيامه بتفكيك المليشيات التي انتظمت عسكرياً في (عدن) بعد تحرير الجنوب ،والتي كانت تحمل صبغة أيديولوجية متطرفة ،وتمتلك سلاحاً فتَّاكاً وتمويلاً من خارج التحالف والشرعية اليمنية ،ولعلنا نعرف الممول جيداً ،إذ نجح المجلس الانتقالي في مهتمة تلك ،والتي لاتخلو من كونها مهمة دولية (من وجهة نطري) تدخل ضمن مايعرف في مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه ،وتفكيك قوته العسكرية .


3_بروز المجلس الانتقالي الجنوبي، كطرف جهوي ،يوازي المجلس السياسي الحوثي في الشمال ،ولكل مجلس من المجلسين جغرافيته الجهوية، على الأقل في اللحظة الراهنة ،فإذا كان المجلس السياسي ،يحمل رسالة وطنية سياسية شعبية في الشمال ،حسب إدعائه ،وحسب رضاء الشعب كافة في الشمال عنه ،وقد برز ذلك الرضاء جلياً للتحالف والمجتمع الدولي برمته ،من خلال عدم تولُّد قناعات أو مصداقية لدى الشمال بكل فئاته السياسية والاجتماعيةلمقاومته وإسقاط تمرده ،في الوقت الذي وفَّرت دول التحالف العربي ،كل الوسائل والدعم ،الذي يسهِّل مهمة إحباطه وهزيمته ،لكنها وصلت (دول التحالف) لقناعة راسخة باستحالة ذلك

_ فكذلك المجلس الانتقالي يحمل رسالة جهوية (جنوبية) فوضَهُ لها الشعب الجنوبي في مليونيات شعبية متواترة ،آخرها تلبية دعوته النزول للشارع والاعتصام ،بل واستعداد الشعب في الجنوب لحمل السلاح ،لولا رفض قيادة المجلس الانتقالي لذلك ،وتحمله حماية الشعب المحتج الذي اعتدت عليه الشرعية ،ثم انتصاره للإرادة الشعبية ووصوله لقصر معاشيق بتكتيك عسكري ميداني عجزت قوات الشرعية عن مواجهته ،فأعلنت القوات جميعها الاستسلام .

4_ارتقاء المجلس الانتقالي وبشكل جهوي ،لمرتبة حليف ومفاوض جهوي ،صكَّ معه المجتمع الدولي المتمثل بالتحالف العربي _ أولَ اتفاق تاريخي مخض عنه الاستعداد لمساعدة الشمال في استعادة صنعاء ومناطق الشمال ،موازيا لغاية وهدف التحالف العربي ،بل وقد غدا المجلس الانتقالي الممثل للشعب الجنوبي _ ،حليفاً مُعترفاً بهويته السياسية والعسكرية ،وأكثر فاعلية من الشرعية المخترقة بالفساد والمواربة والتدليس على التحالف واستنزافه دون جدوى .


وخلاصة القول ،فأن خطوات المجلس الانتقالي وحنكة قيادته السياسية ،قد استعادت تشكيل هوية الجنوب السياسية المخطوفة منذ 30نوفمبر 1967م حتى 30يناير 2018م،وأصبحت لفظة (الجنوبي) لاحقة لفظية (للمجلس الانتقالي) الذي برز إعلامياً في لحظة من التأزم و في لحظة من تشظي صيغة (الجمهورية العربية اليمنية) (وجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية )ثم الانفراط العقدي لمصطلح (الجمهورية اليمنية) الذي مخض عنه كيانان سياسيان جديدان هما: (المجلس السياسي )شمالاً و(المجلس الانتقالي )جنوباً .

#بدر_العرابي.
2/فبراير/2018م.