«سينوفارم».. أكثر من لقاح

الدخول في تكنولوجيا صناعة الدواء مرحلة متقدمة في مسيرة أي بلد في تعزيز تطوره الحضاري والتقني والعلمي. الدواء هو مفتاح علوم الحياة في عالم اليوم. وإذا كنا قد تعلمنا درساً من أزمة كورونا، فإنه لا يمكن الركون إلى أننا وصلنا إلى خط الأمان، وأن الطبيعة لا تزال تختزن أسرارها وترد بطريقتها.

خط الأمان هو العلم والصناعة. ولبلد مثل الإمارات فإنه ليس خياراً بل ضرورة. ورغم أن القيادة تنبهت مبكراً لهذا الأمر، فإن ما حدث في العالم اليوم من تداعيات يحرك المسؤولية الأخلاقية من أن تكون محصورة في البلد، إلى مسؤولية إنسانية والبداية تكون مع الدول المتقدمة في هذا المجال.

الغرب يوفر الكثير من البدائل، لكن الصين دولة مركزية تقدر وضعها الآن في عالم متنافس. العمل مع الصين مهم ومثمر وبعيد عن التجاذبات السياسية التي نراها دخلت لعبة الدواء في أوروبا مثلاً.

وهنا تأتي أهمية الشراكة مع الصين في «سينوفارم». العالم في أزمة لقاحات، وهذا وقت التحرك لمعرفة أسرار الصنعة وأسرار صناعتها. الدواء في المختبر شيء، وتصنيعه على نطاقات واسعة شيء آخر.

قبل أكثر من عام احتفت الإمارات بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينج. تزينت الأبنية بلافتات الزيارة. كانت الزيارة تتويجاً لفهم مشترك متزايد لواقع التغيرات في العالم، لم نكن نعرف أن القدر يخبئ لنا شيئاً استثنائياً هو الوباء ليكون انطلاقة في علاقات من نوع آخر.

لكن القيادة الإماراتية كانت أكثر من مستعدة. دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، تولي أهمية كبيرة لتعزيز علاقات التعاون المشترك مع الدول الكبرى في مختلف المجالات وتعزيزها بما يحقق تطلعات قيادتي البلدين الصديقين وشعبيهما، وفق أسس راسخة من الاحترام المتبادل والثقة والمصالح المشتركة، والواقع أن هذا التقدير الصيني لدولة الإمارات العربية المتحدة إنما يرجع إلى الدور المسؤول الذي تمارسه في محيطها العربي والإقليمي، وانخراطها الفاعل في حل أزمات المنطقة.

فدولة الإمارات العربية المتحدة تكتسب أهمية خاصة في الاستراتيجية الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط، ليس فقط لأنها تلعب دوراً في إرساء عوامل الأمن والاستقرار في المنطقة، وإنما أيضاً لما تمثله من نموذج تنموي ناجح، حيث تنظر الدول الكبرى بنوع من الإعجاب والتقدير إلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء مجتمع مزدهر ومستقر، وتعتبرها نموذجاً يحتذى في المنطقة ككل، وما الاتفاق الأخير على بدء مصنع جديد في أبوظبي بتصنيع لقاح الوقاية من كوفيد-19 الذي تنتجه شركة «سينوفارم» الصينية في وقت لاحق من هذا العام في إطار مشروع مشترك بين الشركة الصينية وشركة التكنولوجيا (جي42) ومقرها أبوظبي، وبالتعاون مع شركة «جلفار»، إلا جزء من هذا التقدير.

ويأتي المشروع في إطار تنشيط الدبلوماسية الصينية في منطقة الخليج بما يخدم مسعى الإمارات لتنويع اقتصادها بعيداً عن المنتجات النفطية، وهو ترجمة لعمق الثقة بين البلدين وطموحهما المشترك في المساهمة بحماية المجتمع بإيجاد أفضل الحلول لمكافحة الجائحة. وسيطلق على اللقاح اسم «حياة-فاكس» في الإمارات، لكنه سيكون اللقاح ذاته الذي يقدم في الإمارات، من إنتاج معهد بكين للمنتجات الحيوية وهو وحدة تابعة لمجموعة الصين الوطنية للتكنولوجيا الحيوية التابعة لسينوفارم. ويشمل المشروع المشترك كذلك مركزاً للبحوث والتطوير مخصصاً للعلوم والتكنولوجيا الحيوية وإنتاج اللقاحات في مدينة خليفة الصناعية.

دولة الإمارات بوصفها مركزاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً مهماً يجمع بين الشرق والغرب، وبوابة أساسية للشرق الأوسط، تنظر إلى علاقاتها مع جمهورية الصين كأحد أهم العناصر الضرورية لتحقيق الاستقرار والتنمية في منطقتنا وفي العالم بأسره.

وتتطلع الإمارات إلى مزيد من فرص التعاون في المستقبل. وسيكون بمقدور الدولتين أن ترسيا دعائم متينة لعلاقات ثنائية قائمة على المصالح المشتركة وقادرة على ضمان السلام والأمن والرخاء للمنطقة.

سينوفارم أكثر من لقاح.. إنه باب لعالم جديد.