السلام العادل يمر عبر بوابة الجنوب.. لا أمن ولا استقرار إلا باستعادة الدولة
رأي المشهد العربي
في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يتجدد التأكيد في الأوساط السياسية والشعبية الجنوبية على حقيقة جوهرية مفادها أنه لا يمكن الحديث عن سلام دائم أو أمن مستقر ما لم تُعالج جذور الأزمة، وفي مقدمتها قضية شعب الجنوب وحقه في استعادة دولته وهويته السياسية المستقلة.
فالمعالجات الجزئية، أو الاتفاقات المؤقتة التي تتجاوز لبّ الصراع، لم تُنتج سوى هدن هشة سرعان ما تتآكل تحت ضغط الوقائع.
عودة دولة الجنوب العربي ليست شعارًا عاطفيًا، بل مشروعًا سياسيًا يعتبرونه الضمانة الحقيقية لإعادة التوازن والاستقرار في محيط مضطرب.
فالدولة، بمفهومها المؤسسي والقانوني، تمثل الإطار القادر على ضبط الأمن، وتنظيم العلاقات، وبناء شراكات إقليمية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. أما الإبقاء على الأوضاع المعلّقة، فيعني استمرار بؤر التوتر واستدامة عوامل الانفجار.
تتصاعد الدعوات إلى وضع قضية الجنوب في صدارة أي مسار تفاوضي قادم، بدل التعامل معها كملف ثانوي أو مؤجل.
فالتجارب السابقة أظهرت أن تجاهل المطالب الجوهرية أو ترحيلها إلى مراحل لاحقة لا يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وإعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة. كما يبدأ السلام الحقيقي بالاعتراف الصريح بحقوق الشعوب، وعلى رأسها حق تقرير المصير.
ويؤكد الخطاب الجنوبي أن جنوحه نحو السلام لا يعكس ضعفًا أو تراجعًا، بل يعبر عن قناعة راسخة بأن الحوار هو الطريق الأقصر والأقل كلفة لحل الخلافات.
فالحروب تستنزف الجميع، وتغذي الكراهية، بينما يفتح الحوار الباب أمام تسويات عادلة تحفظ الكرامة وتؤسس لمستقبل مستقر. ومن هذا المنطلق، يمد الجنوب يده لأي مسار جاد يقوم على الندية والاحترام والاعتراف المتبادل.
كما أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية لا تستند إلى حل عادل لقضية شعب الجنوب ستبقى مؤقتة وعرضة للانهيار. فالاستقرار لا يُفرض من الخارج، ولا يُبنى على توازنات قسرية، بل يتأسس على رضا الناس وشعورهم بأن حقوقهم مصانة وهويتهم معترف بها.
وتتبلور رسالة واضحة في المشهد الجنوبي مفادها أن السلام هدف استراتيجي، لكنه سلام قائم على العدالة لا على التغاضي، وعلى الاعتراف لا على الإنكار.
فلا مجال لتحقيق أمن ولا استقرار مستدامين في المنطقة ما لم تُوضع قضية شعب الجنوب في مقدمة الأولويات، ويُفسح المجال أمامه ليحدد مستقبله بحرية كاملة، ضمن دولة تعبر عن إرادته وهوية أرضه وتطلعات أجياله القادمة.