الجنوب العربي متمسك بالثوابت.. رسائل الردع في وجه محاولات التمييع السياسي

الجمعة 6 مارس 2026 20:05:21
الجنوب العربي متمسك بالثوابت.. رسائل الردع في وجه محاولات التمييع السياسي

رأي المشهد العربي

يمثل الموقف الرسمي الأخير الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي علامة فارقة في إدارة العلاقة بين مشروع استعادة الدولة وبين "شراكة الضرورة" في السلطة، حيث يضع هذا الموقف النقاط على الحروف فيما يخص التكييف القانوني والسياسي لوجود الجنوبيين في أروقة الحكم.

التحليل العميق لهذا الخطاب يكشف عن تمسك مبدئي بالثوابت الوطنية للجنوب العربي، مع تقديم رؤية ناضجة لمفهوم التمثيل السياسي الذي لا يقبل التجزئة أو الاجتهاد الشخصي.

تكمن الدلالة الأولى لهذا الموقف في إعادة الاعتبار لـ "المرجعيات التفاوضية" (اتفاق الرياض 2019 ومشاورات الرياض 2022). هنا، يرفض المجلس الانتقالي أي محاولة لتمييع القضية الجنوبية عبر تحويلها إلى مجرد "حصص وظيفية" لأفراد، مؤكداً أن الشراكة هي استحقاق سياسي ناتج عن تفويض شعبي ومحمي بضمانات إقليمية ودولية.

هذا الترسيم للحدود السياسية يقطع الطريق أمام أي محاولات لخلق كيانات موازية أو شخصيات تدعي تمثيل الجنوب خارج إطار التفويض الذي منحه الشعب لقيادته، مما يعزز من وحدة القرار السيادي الجنوبي في أي مفاوضات قادمة.

أما الرسالة الموجهة إلى الجنوبيين في "سلطة الأمر الواقع" (الحكومة الحالية)، فهي تحمل أبعاداً وطنية تصالحية لكنها مشروطة بـ "فاعلية القرار". إن المجلس الانتقالي هنا لا يمارس الإقصاء، بل يضع معيارًا وطنيًا صارمًا للحضور في السلطة: وهو أن يكون المسؤول الجنوبي أداة لحماية مصالح شعبه لا غطاءً لسياسات تضر بالجنوب.

الاقتداء بنهج الرئيس القائد عيدروس الزبيدي في فرض القرار ورفض الإملاءات يمثل "المانيفستو" الجديد للعمل من داخل مؤسسات الدولة. إنها دعوة للتحول من "التواجد الكمي" إلى "التأثير النوعي"، حيث يصبح التبرير الوحيد للبقاء في السلطة هو القدرة على منع المساس بحقوق الجنوبيين ومعيشتهم.

علاوة على ذلك، فإن التأكيد على أن أي تواجد خارج هذه المرجعيات يعبر عن أصحابه فقط، كما يعدُ تحصين لمسار استعادة الدولة من الاختراقات السياسية. الموقف يرسخ حقيقة أن الجنوب العربي ليس "خزانًا بشريًا" لملء المقاعد الحكومية، بل هو مشروع وطني له ثوابت لا تقبل المساومة. والتمسك بهذه المواقف في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة يعكس وعيًا بكون المعركة اليوم هي معركة "انتزاع القرار" في معاشيق وكافة مؤسسات الدولة في العاصمة عدن.

يجدد هذا الموقف الرسمي العهد مع شعب الجنوب بأن مسار استعادة الدولة يسير بخطى ثابتة، وأن الشراكة السياسية هي وسيلة لتحقيق غايات وطنية كبرى وليست غاية في حد ذاتها. فالاصطفاف خلف هذه الرؤية هو الضامن الحقيقي لحماية المكتسبات، وضمان أن يظل الصوت الجنوبي قوياً، ومستقلاً، ومؤثراً في صياغة مستقبل المنطقة، بعيداً عن سياسات التبعية أو التهميش التي سعت قوى صنعاء لفرضها لعقود.