تحليل: الإكراه السياسي السعودي بين الفعالية التكتيكية والفشل الاستراتيجي

الاثنين 30 مارس 2026 18:44:06
تحليل: الإكراه السياسي السعودي بين الفعالية التكتيكية والفشل الاستراتيجي

الإكراه السياسي السعودي بين الفعالية التكتيكية والفشل الاستراتيجي

د. صبري عفيف.

مقدمة

لا يمكن فصل ما تعرّض له وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض خلال يناير 2026 عن سياق أوسع من الممارسات السعودية الممنهجة تجاه القيادات السياسية العربية. فما جرى ليس حادثة معزولة، بل يندرج ضمن نمط راسخ من آليات الضغط والإكراه التي وظفتها المملكة مراراً لفرض إرادتها على شخصيات سياسية بارزة. هذه الورقة تحاول تفكيك ذلك النمط من خلال دراسة مقارنة مكثفة لثلاث محطات فارقة: قضية سعد الحريري (2017)، واعتقالات "ريتز كارلتون" (2017)، وقضية وفد المجلس الانتقالي (2026).

1_ سعد الحريري: استقالة من خارج الإرادة

في الرابع من نوفمبر 2017، فاجأ رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري المشهد السياسي العربي والدولي بإعلان استقالته من الرياض عبر شاشة "العربية". غير أن تفاصيل ما جرى كشفت عن مشهد مغاير تماماً: فوفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، وصل الحريري إلى الرياض بدعوة لتخييم مع ولي العهد، مرتدياً ملابس غير رسمية، ليتم فجأة استدعاؤه إلى المكاتب الملكية، ومصادرة هاتفه، وفصله عن فريقه الأمني، وتعرضه للدفع والإهانة. أمضى ثلاثة أسابيع في إقامة جبرية بمنزله في الرياض، منع خلالها من التواصل مع زوجته وأطفاله، في فترة وُصفت بأنها "صندوق أسود".

لم يكن التدخل الفرنسي بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون سوى الاعتراف الدولي بفداحة ما جرى. فبعد ضغوط مكثفة، أُفرج عن الحريري ليعود إلى بيروت ويتراجع عن استقالته، في مشهد عزّز وحدته الوطنية ورفع من شعبيته، وألحق أضراراً جسيمة بصورة السعودية التي وصفتها دوائر دبلوماسية غربية بأنها "انتهاك لكل الأعراف الدبلوماسية".

2_ ريتز كارلتون: سجن ذهبي وإعادة هيكلة النخبة

في اليوم ذاته من نوفمبر 2017، شهدت الرياض اعتقالاً جماعياً غير مسبوق لعشرات الأمراء والوزراء ورجال الأعمال، في حملة قُدّمت تحت عنوان "مكافحة الفساد". تم احتجاز المعتقلين في فندق ريتز كارلتون الفخم، الذي تحول إلى "سجن ذهبي" بعد إخلائه من النزلاء وقطع الاتصالات عنه ووضع حراس من الحرس الملكي.

تعرض المعتقلون لضغوط نفسية ومالية هائلة، أجبرت معظمهم على التسوية المالية مع الدولة، التي جمعت أكثر من 106 مليارات دولار. حققت الحملة أهدافاً متعددة لولي العهد: إزاحة منافسين محتملين، ملء الخزينة، وإرسال رسالة حاسمة بأن مركز القيادة لم يعد يقبل الشراكة. بينما أيدتها واشنطن رسمياً، اعتبرها منتقدوها تطهيراً سياسياً مقنعاً بمصادرة غير قانونية للأموال.

3_ وفد المجلس الانتقالي: تكرار السيناريو في سياق جنوبي

في يناير 2026، كان وفد المجلس الانتقالي الجنوبي ضحية النمط ذاته. استُدرج إلى الرياض عبر قنوات دبلوماسية، وما إن وصل حتى عُزل عن العالم الخارجي، وصودرت هواتف مرافقيه، وأجبر قادته على الظهور إعلامياً وقراءة بيانٍ لم يكتبوه. الفارق الجوهري هذه المرة تمثل في بقاء قيادة بديلة في العدن حالت دون انهيار الصف الجنوبي، وفي ردود فعل دولية محدودة لكنها ساهمت في تقليص مدة الاحتجاز.

مما سبق تبين ان النمط السعودي للإكراه: الفعالية التكتيكية القصيرة المدى تقابلها تكاليف استراتيجية طويلة الأمد. ففي قضية الحريري، حققت الرياض إعلان استقالة عاجلاً، لكنها فشلت في هدفها الأكبر (إضعاف حزب الله)، بل خرج الحريري أكثر شعبية وتعززت مكانة خصومه.

وفي اعتقالات ريتز كارلتون، حققت مكاسب مالية فورية وهيمنة سياسية، لكنها قوضت الثقة داخل النخبة وبيئة الاستثمار.

أما في حالة وفد المجلس الانتقالي، فإن الإكراه الذي لا يوفر "مخرجاً شريفاً" للجهة المستهدفة يدفعها إلى رفض النتائج واعتبارها باطلة، خاصة بوجود قيادة بديلة حرة.