إنسانية ووطنية الحجيلي ستهزم حقدهم

في عام الحرب والتشرد 2015م، وقد ضاقت بنا الدنيا بما رحبت، ونحن نواجه الغزو الحوثي لمدينتنا عدن، وفي مواجهة شرسة ونحن مكلومين وعاصبين على أحزاننا، بما فقدنا من شهداء دفاعا عن كرامتنا وعن عرضنا ومساكننا، وكان الوقت بطيئاً يتثاقل مخلفا مزيد من الأحزان والآلام، وحيّنا في خور مكسر يضيق بنا أكثر فأكثر كلما تقدم الغزاة في شوارعنا، لتشهد خورمكسر أكبر عملية نزوح في تاريخ بلدنا، مدينة صارت خاوية على عروشها في فترة وجيزة لا تتعدى أربعون يوماً، تفرق أبنائها في مختلف مديريات عدن المحررة، من الممدارة شرقا الى البريقة وصلاح الدين غرباً.
يومها ضاقت بي الدنيا، ولم أجد أي مكان يأويني إلا بيت أرضي صغير تحملته لشهرين بإيجار كبير وباستغلال لا إخلافي لصاحبه الشاب (المولعي)، وكنت أشعر بضيم كبير كوني الوحيد من النازحين الذي يستأجر منزلاً دون الآخرين، هذا المنزل يقع أمام منزل وبقالة الوالد المناضل قاسم الحجيلي، وكان أولاد الحجيلي الذي تعرفت عليهم وعرفوني كواحد ممن ينشطون في الحركة الثورية الجنوبية (الحراك الجنوبي)، يتألمون بشدة لحالتي المادية، ومستنكرين بشدة ما يجرى عليّ من المؤجر الذي لا يتوانى في دق بابي طالباً الإيجار الشهري (30الف ريال) قبل أن يكتمل الشهر.
لم يستمر الحال على هذا الأمر فسرعان ما استدعاني الوالد قاسم الحجيلي (أبو فادي) ليزف إلي خبر أن لديه شقة ولده فادي فضيت اليوم – يومها - وقد خرج من كان يسكنها، ودعاني لانتقل إليها، وكنت محرج جداً، ومتردد لأني لا أملك في جيبي، قيمة إيجارها فقال لي باسماً هي بيتكم إلى أن تعودوا إلى منازلكم في خورمكسر ودون مقابل، كادت دموعي أن تفيض، وأنا أشاهد أن الدنيا بخير، وقارن بين موقفه الإنساني الرائع هذا وموقف جاره الآخر المنتمي جغرافيا لمسقط رأسي، بالنسبة لي لا أعير هذا الأمور بأي مقدار، ولا أضعها معيار لعلاقاتي ولا لمعاملات، بل أن المواقف الوطنية والسياسية قد تؤثر في علاقاتي، بعيداً عن أي تأثير آخر، ولله الحمد .
ولم تنتهي القصة عند دخولي ضيفاً في منزل الوالد قاسم الحجيلي، ولم تنتهي عند تكرمه، بمنحي الكثير من أدوات المنزل لاستخدامها بل أن حتى الماء البارد في وقت كانت الكهرباء شبه غائبة، ولم يجد الماء حتى عند العائلات الميسورة، وكان لا يفتأ العم قاسم أن يذكرني كلما صادفته هو أو أولاده أن البقالة مفتوحة أمامي لأي شي أحتاجه وان لا أتردد مطلقاً، وفي فترة انعدمت أسطوانات الغاز وكنت أحظى بها من عندهم، لست وحدي فقط بل كان أغلب الجيران يتحصلون على أسطوانات الغاز من أولاد الحجيلي، الذين يجلبوها من منطقة ردفان بطرق تهريب حتى يوصلونها إلينا، كنا نتقاسم الجزع مع كل سقوط قذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا التي تقذف بها مليشيات الغزو الحوثي، على حينا الذي يقع في أطراف الممدارة جنوباً والأقرب الى خطوط التماس.
ظللت لأكثر من عدة أشهر ضيفاً في شقة أخي الغالي (فادي الحجيلي) وكانوا يشركوني حتى في كهرباء المولد الصغير (ماطور) الذي يمدهم بالنور مع انطفاء الكهرباء في حر الصيف القاسي، كانت ذكريات برغم أنها مؤلمة جدا إلا أنها حفرت في ذاكرتي أروع المواقف الإنسانية، ولن أنساها ما حييت.
تذكرت هذه التفاصيل وأنا أقرأ بألم بالغ ما جرى لأخي الغالي (فادي الحجيلي) من مكر وغدر قزيز ومخجل، وبقدر ما أعتبرها جريمة جنائية بكل المعايير ولا أضع لها أي بعد مناطقي، لكني لا أبرئها من أنها لا تخلوا من أبعاد الشحن السياسي المتسبب فيه الخطاب اللامسؤول لرواد التواصل الاجتماعي من قبل ثلة من أطفال (الفيس بوك) ممن لا هم لهم إلا الشحن بالكراهية، الممزوج بالتعصب السياسي والمناطقي المريض.
ومن هنا أدعو إلى سرعة ضبط الجناة ومحاكمتهم، وتنفيذ أي حكم تراه العدالة جزاء ما ارتكبوه ويكونوا عبرة لمن لا يعتبر، وأدعو كل رواد التواصل الاجتماعي أن يرتقوا إلى مستوى المسئولية الوطنية والدينية والإنسانية، وان يتوقفوا عن الشحن بالكراهية، ضد من يختلفوا معه فكريا أو سياسياً، وان لا يحمّلوا ويأوّلوا القضايا، أكثر من ما تستحقه، وان يراعوا الله في أنفسهم وفي أهلهم وفي وطنهم وان يكفوا عن الهذي اللا أخلافي الذي يضر بقضيتهم وبوطنهم.
تضامني مع المجني عليه (فادي) ابن العم قاسم ليس له حدود، ولا يقف عند هذه العبارات، تضامني معه كمجني عليه تعرض، للغدر والمكر، ومستعد الذهاب معهم إلى أي مدى يرونه يدا بيد لتثبيت العدالة. إما هذا الفعل الغادر لا شك انه سيحيق بأهله ومن قام به، هم وحدهم سيتحملون نتيجة فعلهم الجبان والمشين، وسيظل يلاحقهم العار جراء فعلهم الإجرامي، وفي المقابل سينتصر الجنوب كله بكل مناطقه لـ الشاب المغدور به فادي الحجيلي، وسينتصر "الحجيلي" وسيظل كل من يدفع نحن الكراهية موضع احتقارنا له إلى يوم الدين.

التعليقات