ها هو الجنوب الآن سيدٌ على أرضه

رغم كل ما مكروا وما يمكرون , بعد 25 عاماً، ها هو الجنوب الآن سيدٌ على أرضه لم يكن السعودي عبدالرحمن الراشد، يوماً، متعاطفاً مع نضال الجنوبيين السلمي وتضحياتهم منذ 2007 في مواجهة نظام علي عبدالله صالح الاستبدادي، حتى ليخال المرء أن بينه وبين الجنوب شيئاً من (ثأرٍ بايت)، لذلك لم يكن خارجاً عن مألوف عاداته أن نجده الآن على الضد من الآراء والمواقف التي بدأت ترى المشهد وتقرؤه على حقيقته بعد خمس سنوات على عاصفة الحرب، فتعبر عما تراه بناءً على معطيات الواقع ومتغيراته، كما أبدى الكويتيان د. محمد الرميحي و د. سعد بن طفلة العجمي رأييهما في مقالين مهمين الأسبوع الماضي.

لكن عبدالرحمن الراشد يتهافت في بضع سطور ، في مقاله التعقيبي على مقاليهما ، فهو لا يرى في الجنوب - سوى شلة ساسة متصارعين وسلاطين - رغم أنه حرر أراضيه من الحوثي الذي كنس الدولة اليمنية، بين عشية وضحاها، تلك الدولة التي يتحدث الراشد عن التفاهم معها بعد عودة شرعيتها" في المشمش"!

يود الراشد لو يفرط الجنوبيون في تحرير أرضهم، لأن شريكهم في الوحدة أضاع دولته بتواطؤ تاريخي، ولم يضعها فقط بل مازال طامعاً في استلحاق الجنوب كحق تاريخي مزعوم، غير متحمس لتحرير عاصمته من الحوثي. و لا مشكلة حقيقية لديه - بمنطق الأحداث - مع الحوثي - إن هو أعطاه وجهاً - فكلاهما الحوثي وشرعية صنعاء متفقان على إلحاق الجنوب بدولة الوحدة الافتراضية، بأي صيغة مخاتلة، لاعتبارات غير وطنية أو قومية أو إسلامية أو إنسانية، على أي حال.

لكن الراشد لا يمانع، حضرته، في أن يستعيد الجنوب الآن دولته لكن عبر الأمم المتحدة، كأنه يريد القول إن الجنوب يسعى لاستعادة دولته عبر أمم الافتراضية! ألا يخاطب الجنوب العالم كله صباح مساء عن دولته المستلبة، وأنه يريدها عبر الأمم المتحدة تحديداً؟ وهل أعلن الجنوب حتى هذه اللحظة دولته المستقلة خارج الأمم المتحدة أو غيرها؟ إن شريكاً يترك عاصمته في حضن الحوثي ولا يشعل الجبهات ضده، ثم يوجه كل حروبه باتجاه عدن، ماذا ينتظر؟ الصمت مثلاً والاستكانة؟ التفرج والانتظار غير المزمن وهو يراهة يعد العدة لسحب بساط التحرير من تحت قدميه على أرضه، ليعيد الحوثي من النافذة بعد أن تم طرده من الباب؟! فأي راشد هذا الذي يعمى عن "الشارقة" بتعبير الشاعر الشعبي الحضرمي سعيد باحريز؟

أما تشبيه شراكة الوحدة المنتهية منذ 1994، بالزواج، وأن في المستطاع تصديق "الطلاق" عبر محكمة الأمم المتحدة، فهو افتئات غير أخلاقي، فالوحدة شراكة سياسية وليست عقد زواج في مكاتب الأحوال الشخصية ينتهي بالطلاق. على ما في هذا التشبيه من انكشاف لذهنية الراشد الأعرابية ثقافياً، في النظر إلى المرأة ( في هذا السياق التشبيهي) إذ يلقي الذكر ، في العادة الأعرابية العتيدة، كلمة الطلاق على المرأة، ولا يبالي فهذا حقه، فيما تلجأ الأنثى للمحاكم كي تأخذ حقها وحقوق أطفالها، إن استطاعت إلى ذلك سبيلا.

* التعليق أعلاه على مقتطف من مقال لعبد الرحمن الراشد في "الشرق الأوسط"، بعنوان "الجنوبيون ومؤتمر جدة":

" أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق".

التعليقات