همس اليراع

ثورة فبراير والأمل الموؤود

بغض النظر عما إذا كانت الانطلاقة الأولى للثورة الشبابية السلمية اليمنية في 11 فبراير 2011م أم قبل ذلك بأيام فقد صار متعارفا على أنها ثورة فبراير وهو أمر شكلي لا يعني شيئا بالنسبة لجوهر ومضمون هذه الثورة ومحمولاتها وما تضمنته من معاني ومدلولات وأبعاد.
أتحدث عن ثورة الشباب السلمية اليمنية التي مثلت بارقة الأمل التي راهن عليها الملايين وجذبت إليها كل الأنظار السياسية والإعلامية في الداخل والخارج ويمكنني في هذا السياق التأكيد على الحقائق التالية:
• ثورة فبراير 2011م جاءت لتعبر عن امتلاء وعاء الصبر والمعاناة لدى الغالبية العظمي من سكان اليمن في الشمال والجنوب، وعدم قدرة الشعب على تحمل المزيد من المعاناة لنظام كان يتجه نحو التحول إلى مملكة وراثية لا تختلف عن المملكة التي ثار ضدها اليمنيون منذ مطلع الثلاثينات من القرن المنصرم بينما كانت مساحات الفقر والتخلف والأوبئة والتفتت الوطني والا جتماعي والانهيار الأخلاقي والمادي آخذةً في الاتساع دون أن يأبه لها النظام أو يفكر في تفادي تداعياتها المدمرة.
• تفوق الشباب الذين أوقدوا شعلة الثورة على كل القوى السياسية اليمنية (الحاكمة والمعارضة) حينها، وبرهنوا قدرتهم على نهج التغيير بعناوين جديدة ومتطلبات جدديدة وأدوات جديدة، وهو ما لم تستوعبه كل القوى المعارضة، ناهيك عن القوى الحاكمة التي اختزلت الوطن في نفسها واعتبرت كل مطلب للتغيير هو مؤامرة على (الوطن) الذي اعتقدت أنه هي وأنها هو ولا فرق.
• ارتبكت القوى السياسية المعارضة فوجدت نفسها في مأزق، فلا هي تمتلك الجرأة لتتبنى نفس الشعارات وتواجه الحاكم بنفس شجاعة الشباب وجُرءَتهم ولا هي تستطيع الوقوف ضد إرادة الشعب الذي طالما تحدثت باسمه، الإرادة التي عبر عنها شباب الثورة، لكنها (أي القوى السياسية المعارضة) عندما أيقنت باستحالة هزيمة الثورة اضطرت على مضض الالتحاق بموكبها وجرى بعد ذلك ما جرى، وفي هذه الجزئية يمكن الحديث عن الكثير من التفاصيل التي لا أرى الوقت مناسبا للتعرض لها وسأعرضها في حينها.
• لم يقتصر الالتحاق بموكب الثورة على الأحزاب التي أعلنت معارضتها لنظام الرئيس صالح وحلفائه، بل لقد انشق جناحٌ كبيرٌ ومهمٌ من النظام ليلتحق بالثورة، وكانت تلك لحظة فارقة، من زاويتين: الزاوية الإيجابية تمثلت في ترجيح كفة قوى الثورة وتوسيع نطاقها وتصدع الجبهة الأخرى، والزاوية السلبية أن من التحقوا بموكب الثورة من أساطين النظام قد تحولوا إلى أوصياء على الثورة وراحوا يتحكمون بخطاب المنصات ويصدرون لغتهم العابثة والمسيئة للمضمون الوطني الاجتماعي النقي للبدايات الأولى للثورة الشبابية السلمية.
• كان تهور النظام ولجوءه إلى العنف والقصف ومحاولات السحق عامل دفع لقوى الثورة وعنوان هزيمة أخلاقية ومعنوية للنظام، لكن النظام نجح في نقل المواجهة المدنية السلمية إلى مواجهات مسلحة في بعض الأحياء والضواحي وكان ذلك بداية لتشويه الطابع السلمي المدني للثورة وجماهيرها الساحقة.
• افتقدت الثورة إلى قيادة وطنية موحدة على الصعيد الوطني وإلى برنامج سياسي واضح الأهداف والمبادئ والاستراتيجية والتكتيك، فتعددت الخطابات وتفاوت قاموس المنصات ومفرداتها فلاحظنا تميزا للخطاب السياسي الوطني المدني الحضاري في ساحات تعز مثلا وإب (إلى حدٍ ما) بينما طغى الخطاب الديني والحديث عن فرض العين وفرض الكفاية، والمفاسد الصغرى والكبرى في صنعاء، أما في محافظات الجنوب فقد وقف شباب الثورة الجنوبية السلمية متشككين في إمكانية انتصار الثوار الشماليين لمضمون وعدالة القضية الجنوبية، في حين سمعنا خطابات في بعض المهرجانات الصغيرة تدعو إلى محاسبة "الانفصاليين الخونة" ما وسع من شك الثوار الجنوبيين في مصداقية تضامن الثورة الشبابية مع مطالب الشعب الجنوبي.
• وفي هذا السياق كان الكثير من شباب الثورة في صنعاء وتعز قد أعلنوا فعاليات تضامنية وخصصوا جمع خاصة للتضامن مع الشعب الجنوبي ونصرة ثورة الحراك الجنوبية السلمية.
* لقد راهن الكثير من الثوار والقادة الجنوبيين على نجاح الثورة الشبابية وانسجام قادتها مع أطروحاتهم التي تقول بدعم نضال الشعب الجنوبي واحترام حقه في اختيار طريقه بعيدا عن الوصاية والتبعية، لكن هذا الرهان تراجع بعد صفقة التقاسم التي جاءت بها المبادرة الخليجية وازداد تراجعاً بعد خديعة الأقلمة التي مثلت الفأر الذي تمخض عنه جبل الحوار الطويل، أما بعد انقلاب ٢٠١٤م فقد مات آخر امل في إمكانية الرهان على التغيير من داخل المجتمع الشمالي وبرزت حقيقة حق الشعبين في الشمال والجنوب في النضال من أجل حلين مستقلين لقضية الهوية والتاريخ واختيار الشراكات الجديدة بعيدا عن ثنائية الفرع والأصل والجزء والكل، والأغلبية والأقلية والتابع والمتبوع.
ولأن الحديث يطول ويطول في المزيد من التفاصيل فإنه من المهم التأكيد على البديهيات التالية:
أولا: من لا يزال يعتقد أن الثورة الشبابية السلمية كانت مؤامرة خارجية أو عمل تخريبي ضد الوطن والمواطنين فإنه يؤكد أنه لا يعيش في هذا الزمن مهما أعرب عن مواقف وسلوك يحاول التعبير بها عن صلته بالعصر ومتطلباته.
ثانيا: من لا يزال يعتقد أنه هو من صنع الثورة وأن الثورة كانت ثورته وحده وأن غيره إنما كان متسلقاً أو مدسوسا أو انتهازيا فإنما يمارس الطغيان والديكتاتورية وإن اقتصرت على الخطاب اللفظي والمفردات السياسية.
ثالثا: نذكر كل الذين سخروا أو يسخرون من الثورة الشبابية وتضحيات الآلاف من الشهداء والجرحى، أن المؤامرة لا تقدم تضحيات ومن يتآمر لا يضحي بنفسه أو بدمه وروحه، لكن تقييم الناس لكل حدث يأتي من زاوية المصالح الذي يرى أن هذا الحدث يقدمها له أو يسلبها منه.
إننا نتعجب اليوم أن الكثيرين من قادة الثورة الشبابية الذين كانوا يتضامنون مع الشعب الجنوبي وأحقيته التاريخية وعدالة قضيته، قد غيروا مواقفهم تجاه الجنوب والجنوبيين 180 درجة وصاروا يشيطنون الشعب الجنوبي ويتهمونه بالتمرد والعمالة واللاشرعية، بعد أن تعلموا منه مفردات المعارضة وعناوين الخطابة وأبجديات الاحتجاج والرفض والتضحية والفداء.
وفي العموم لقد كانت الثورة الشبابية السلمية في فبراير 2011م برعمَ حلمٍ تخلَّق ونما حتى امتدت فروعه إلى كل مفاصل المجتمع لكن الحلم تعرض للوأد قبل أن يزهر وتفوح روائح عطره لتصل إلى كل المتعطشين لها وقبل أن تنضج ثمرته ليحصدها من روى تربتها ورعى شجرتها وتطلع إلى يوم حصادها.
الحلم تعرض للوأد لكن نافورة الأحلام لم تتوقف عن التخلق والتجدد.
أما من وأد الحلم وكيف فهذا ما يمكن التوقف عنده في مناسبة قادمة.
ورحم الله الشهداء وشفى الله الجرحى والمعوقين الذين نساهم السياسيون بعد أن ذاقوا طعم السلطة وتجشأوا ملذاتها حتى وإن كانت سلطة نازحة ووهمية وبلا أرض تضع عليها أقدام نافذيها.