الانسحاب الواعي وحماية الدم.. الجنوب ينتصر بمفاهيم حماية شعبه

الاثنين 5 يناير 2026 17:26:22
الانسحاب الواعي وحماية الدم.. الجنوب ينتصر بمفاهيم حماية شعبه

في خضمّ التطورات الأخيرة التي شهدها الجنوب، وما رافقها من محاولات تفسير مجريات الأحداث بمنطق الخسارة والربح الميداني، تبرز حقيقة أكثر رسوخًا: الجنوب لم يخسر أرضه، بل ثبّت قضيته في موقع متقدم، وجعلها بندًا إقليميًا ودوليًا لا يمكن القفز عليه أو تجاوزه.

فما جرى لم يكن انكسارًا، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الصورة أمام الجميع، وحددت بوضوح من هو صاحب القضية، ومن يمارس دور الوصاية تحت عناوين زائفة.

لقد أظهرت الأحداث أن الأرض ليست مجرد مساحة تُقاس بالسيطرة المؤقتة، بل قيمة سياسية ومعنوية تُحمى بإرادة شعب ومشروع وطني.

والجنوب، في تعاطيه مع هذه المرحلة، قدّم نموذجًا مختلفًا في إدارة الصراع؛ نموذجًا يقدّم حماية الإنسان على حساب المغامرة، ويحفظ الدم قبل البحث عن استعراض القوة.

فالانسحاب التكتيكي، حين يكون قرارًا سياديًا محسوبًا، لا يُعد تراجعًا، بل أداة ذكية لكسب الزمن وتفويت الفرصة على من يريد جرّ الجنوب إلى معركة استنزاف تخدم أجندات لا علاقة لها بقضيته.

وما يحسب للجنوب في هذه اللحظة أنه حوّل الضغط إلى مكسب سياسي. فبدل أن تُختزل قضيته في مشهد ميداني عابر، باتت اليوم أكثر حضورًا في دوائر النقاش الإقليمي والدولي، باعتبارها قضية شعب يطالب بحقه، لا ملفًا تابعًا يمكن التحكم به عن بُعد.

لقد انكشفت خطوط الوصاية، وسقطت الأقنعة، وبات واضحًا من يتحدث باسم الجنوب، ومن يحاول الحديث عنه دون تفويض أو شرعية.

القوات الحكومية الجنوبية، في خياراتها الأخيرة، لم تكن تبحث عن معركة يريدها غيرها، ولا عن مواجهة تُفرض بتوقيت وأهداف خارجية. بل اختارت أن تحمي شعبها، وتحافظ على تماسك جبهتها الداخلية، وتُفشل مخططات الاستنزاف الطويل.

وهذا الخيار، في ميزان الصراعات الكبرى، يُعد انتصارًا هادئًا لكنه عميق الأثر، لأنه يؤسس لمرحلة تُدار فيها المواجهة بوعي سياسي لا بردود فعل آنية.

والأهم أن الزمن، الذي راهن البعض على أنه سيعمل ضد الجنوب، بات اليوم عنصرًا في صالحه. فمع كل محطة، تتعزز قناعته بعدالة قضيته، وتتسع دائرة الاعتراف بها، ويزداد وضوح الفارق بين مشروع تحرري يسعى لبناء دولة، ومشاريع وصاية لا تعيش إلا على إدامة الأزمات.

وعليه، فإن ما حدث ليس نهاية فصل، بل تثبيت عنوان: الجنوب لم يخسر، بل كسب موقعه في معادلة لا يمكن تجاهلها بعد اليوم.