الجنوب لا يُهزم بأدواته ولا يُكسر بسلاحه

ليس هناك سقوطٌ أكثر خزيًا من أن يتحول السلاح الذي حمله أبناء الجنوب دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم و استعادة دولته، إلى أداة تُستخدم لقمعهم وكسر إرادتهم السياسية.
فالسلاح الذي كان يفترض أن يبقى موجّهًا نحو المحتل وأدواته، بات اليوم بكل أسف يُستخدم لاغلاق مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يعبّر عن تطلعات شعب الجنوب ويدافع عن حقه المشروع في استعادة الدولة الجنوبية، بل و يحمي الأحزاب التي احتلت الجنوب في ٩٤ و يسمح لها بممارسة نشاطها السياسي بكل حرية.

هذه ليست مجرد أزمة عابرة، ولا يمكن تبريرها تحت أي عنوان أمني أو سياسي، بل هي جريمة وطنية مكتملة الأركان، لأنها تعبّر عن لحظة انكشاف أخلاقي وسياسي لقيادات ارتهنت بالكامل للخارج، وباعت الجنوب وقضيته وتضحيات أبنائه في سوق المصالح الشخصية والولاءات الرخيصة.

ما يحدث اليوم يؤكد أن بعض من جلسوا على تضحيات الناس، لم يعودوا يرون في الجنوب قضية، بل غنيمة.
يريدون السلطة بلا كرامة، والنفوذ بلا شرف، والبقاء بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو توجيه السلاح نحو أبناء شعبهم، والزج بجنود قواتنا المسلحة الجنوبية في معركة قذرة هدفها حماية الكراسي لا حماية الأرض و القضية الوطنيةالجنوبية.

لقد تحولت هذه القيادات من عبء سياسي إلى أداة تنفيذ رخيصة لمشاريع تستهدف الجنوب وتريد كسر إرادته وإبقائه تحت الوصاية والهيمنة.
وما كان يُفترض أن يكون قوة لحماية الجنوب، يجرى تسخيره ليكون ذراعًا لضربه من الداخل، خدمةً لأجندات احتلالية يمنية مدعومة اقليميا، لا ترى في الجنوب سوى مساحة يجب إخضاعها، وصوتًا يجب إسكاتُه، ومشروعًا تحرريًا يجب تعطيله.

لكن الحقيقة التي يتجاهلها المرتهنون و من يقف خلفهم، أن القمع لا يصنع شرعية، وأن السلاح لا يهزم قضية عادلة، وأن من يظن أن بإمكانه كسر إرادة شعب الجنوب بالقوة، إنما يكتب نهايته السياسية والأخلاقية بيده.

قد ينجحون مؤقتًا في إخافة البعض، أو في فرض صمتٍ عابر، لكنهم لن يستطيعوا محو حقيقة أن من يوجّه سلاحه ضد شعبه، لا يمكن أن يكون حاميًا له.
وأن من يبيع كرامته الوطنية، لن يكون إلا تابعًا ذليلًا، مهما تجمّل بالشعارات أو احتمى بالدعم و الإرادة الخارجية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن الشعوب لا تنسى من وقف معها ومن انقلب عليها، وأن التاريخ لا يتعامل مع المواقف باعتبارها أحداثًا عابرة، بل باعتبارها علامات فاصلة تكشف معادن الرجال والقيادات في اللحظات الحاسمة. ومن يختار أن يكون أداة ضد شعبه، سيكتشف متأخرًا أن من ارتهن لهم يستخدموه ثم يرموه بعد انتهاء الحاجة له، وأن من يفرّط بكرامته الوطنية لن يجني إلا العزلة والخذلان وسقوط المكانة.

فالجنوب لا يُهزم بأدواته، ولا يُكسر بسلاحه، ومن يحاول أن يطعن قضيته من الداخل، سيبقى مجرد اسم عابر في سجل السقوط الوطني، و ما ٩٤ منا ببعيد.