المكلا ترسم ملامح السيادة.. قراءة في دلالات الطوفان البشري لساحل حضرموت
ملحمة جماهيرية كبرى في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، جسدت عنفوان الإرادة الحضرمية والجنوبية، حيث تدفقت الحشود من كل حدب وصوب لتملأ الساحات والميادين في مشهدٍ مهيب لم يكن مجرد تظاهرة عابرة، بل استفتاءً شعبياً متجدداً على ثوابت الهوية واستعادة الدولة.
يأتي هذا الاحتشاد الكبير في لحظة سياسية فارقة، ليعيد التأكيد على أن حضرموت، بساحلها وواديها، هي قلب الجنوب النابض وحصنه المنيع.
خروج أبناء الساحل بهذا الزخم الاستثنائي يعكس حالة من الوعي الجمعي التي تجاوزت كل محاولات التزييف أو التهميش، فهي رسالة وفاء للشهداء الذين سقت دماؤهم تراب الأرض، وتأكيد على أن تضحياتهم هي البوصلة التي لن تحيد عن تحقيق الاستقلال التام.
بعثت الحشود في المكلا حزمة من الرسائل المدوية للداخل والخارج، أهمها التأكيد على وحدة المصير فأبناء حضرموت متمسكون بوضعهم ضمن الإطار الوطني الجنوبي، رافضين أي مشاريع تهدف لتمزيق النسيج المجتمعي.
كما يبعث الحراك برسالة أخرى مفادها أنه لا مساومة على الحقوق، حيث أكد المتظاهرون أن "الحقوق لا تُصادر بالتقادم"، وأن السطو على المقدرات أو تهميش الإرادة الشعبية لم يعد خياراً متاحاً أمام القوى الساعية لعرقلة المشروع الجنوبي.
في الوقت نفسه، برهن هذا الطوفان البشري على الالتفاف الشعبي المطلق حول القيادة السياسية الممثلة لقضية شعب الجنوب، معتبرين أن هذا الاحتشاد هو الوقود الحقيقي لأي عملية تفاوضية قادمة.
لم تكن الشعارات المرفوعة مجرد كلمات، بل كانت صياغة لعهد جديد. فالمسيرة الأضخم في تاريخ المكلا أثبتت أن "النضال الجنوبي" فعل تراكمي يزداد اتقاداً كلما اشتدت التحديات.
وبذلك، تنقل الجماهير نضالها من مربع المطالبة الحقوقية إلى مربع "فرض الإرادة السياسية"، موجهين صفعة قوية لكل المراهنات التي كانت تعول على انحسار الزخم الشعبي أو القبول بأنصاف الحلول.
ما حدث في المكلا - وهو امتداد لما يشهده الجنوب مؤخرا - يمكن النظر إليه بأنه تسونامي سياسي يعيد ترتيب الأوراق، ليثبت للعالم أجمع أن شعب الجنوب يمتلك مفاتيح الحل والقرار، وأن أي تجاوز لتطلعاته هو ضرب من الخيال.