مخططات التجريف السياسي.. محاولات بائسة لإفراغ الساحة الجنوبية من تمثيلها الوطني
يواجه الجنوب حاليًّا في ظل المتغيرات المتسارعة على الساحة السياسية، حرباً من نوع مختلف، تتجاوز حدود المواجهة الميدانية لتصل إلى جوهر الوجود السياسي والهوياتي.
ما يشهده الجنوب ليس مجرد تحديات عابرة أو أزمات ظرفية تفرضها تقلبات السياسة، بل هو جزء من مخطط منهجي ومحاولات منظمة تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم القوى التي تسعى لإبقاء الجنوب ضمن دوائر التبعية.
هذا المخطط يعتمد بشكل أساسي على سياسة "التجريف السياسي" من خلال محاولة إفراغ الساحة الجنوبية من تمثيلها الوطني الحقيقي، واستهداف القوى الحية التي تحمل تطلعات الشعب وتعبّر عن إرادته الحرة، في محاولة بائسة لزعزعة الثقة بين القيادة والقاعدة الشعبية التي ظلت صخرة منيعة تحطمت عليها كل الرهانات السابقة.
استبدال الكيانات الوطنية الأصيلة بكيانات هشة ومصطنعة يمثل ذروة هذا المخطط، حيث يُراد لهذه الأدوات أن تكون واجهات لا تعبر عن نبض الشارع أو وجدان الناس، بل تعمل كمصدات لمشاريع التحرر الوطني الجنوبي.
والهدف من تفريخ هذه الكيانات ليس التعددية السياسية كما يُروج لها، بل إحداث حالة من "الشتات السياسي" وتمزيق وحدة الصف التي تعمدت بالدم في الميادين.
محاولات تشتيت القرار الجنوبي تهدف بالدرجة الأولى إلى إضعاف الموقف التفاوضي للجنوبيين أمام المجتمع الدولي، وتصوير المشهد وكأنه صراع على التمثيل وليس قضية شعب يطالب باستعادة دولته، مما يعطي ذريعة للقوى المناهضة للمشروع الجنوبي للتهرب من الاستحقاقات الوطنية الكبرى واستمرار العبث بمقدرات البلاد.
كما تبرز مسارات الحوار غير الجادة كأحد أخطر الأدوات المستخدمة لاستنزاف الوقت والجهد، حيث يتم الزج بالجنوب في دهاليز سياسية لا تفضي إلى حلول حقيقية أو جذرية.
هذه الحوارات "المعلبة" تُصمم في الغالب لتكون بمثابة مسكنات تهدف إلى احتواء الزخم الثوري الجنوبي وتدوير الأزمات بدلاً من حلها، حيث تفتقر إلى الضمانات الدولية الكافية والاعتراف الصريح بالحقوق السيادية لشعب الجنوب.
والغرض من هذه المسارات الملتوية هو إدخال القضية الجنوبية في حالة من الجمود السياسي، وانتظار تغير موازين القوى على الأرض، ومحاولة تمرير تسويات منقوصة لا تلبي الحد الأدنى من طموحات المواطن الجنوبي الذي قدم أغلى التضحيات في سبيل كرامته وحريته.
الوعي الجنوبي بمؤامرة "إفراغ الساحة" هو السلاح الأقوى لمواجهة هذه المحاولات، إذ لا يمكن فرض واقع سياسي يتصادم مع هوية وتطلعات الناس.
والتمسك بالتمثيل الوطني الحقيقي المنبثق من صلب الإرادة الشعبية هو الضمانة الوحيدة لإفشال مشاريع الشتات والتبعية. ويظل الجنوب، برغم الضغوط الاقتصادية والسياسية، ثابتاً على موقفه الرافض لأي حوارات تنتقص من حقه الثابت في تقرير المصير، مؤكداً أن الحل الحقيقي والمستدام لا يمكن أن يمر إلا عبر اعتراف واضح وصريح بالقضية الجنوبية كقضية دولة وشعب، بعيداً عن سياسات الترضيات المؤقتة أو الكيانات الكرتونية التي ولدت ميتة في رحم الأجندات المشبوهة.