فخ السلام الزائف.. أبعاد خفية لمخطط سعودي لإعادة تمكين قوى صنعاء ضد الجنوب

الثلاثاء 23 يونيو 2026 18:05:00
فخ السلام الزائف.. أبعاد خفية لمخطط سعودي لإعادة تمكين قوى صنعاء ضد الجنوب

رأي المشهد العربي

يمر الجنوب اليوم بمرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تتطلب وعياً سياسياً استثنائياً يتجاوز الشعارات العاطفية إلى القراءة التحليلية العميقة.

ما يُروّج له حالياً تحت لافتة "التسوية السياسية الشاملة" برعاية أممية وبندّية سعودية مباشرة، ليس في حقيقته إلا مساراً هندسياً لإعادة تدوير نفوذ قوى صنعاء بشقّيها التقليدي والجديد وإعادة تمكينها من مفاصل الجنوب الجغرافية والاقتصادية.

هذا المخطط لا يستهدف الهوية الجنوبية بالسلاح المباشر هذه المرة، بل يعتمد على استراتيجية "التفكيك الناعم" عبر تذويب المكتسبات السياسية والعسكرية التي تحققت على الأرض، وتحويل القضية الجنوبية من قضية دولة وشعب إلى مجرد بند فرعي في ملف أزمة يمنية تُدار بالوكالة.

تتحرك الدبلوماسية السعودية في هذا المسار مدفوعة برغبة ملحة في إغلاق ملف حربها الخاصة وتأمين حدودها، ولو كان ذلك على حساب تطلعات الشعب الجنوبي.

تتجلى خطورة هذا التحرك في محاولة فرض واقع سياسي واقتصادي مأزوم داخل محافظات الجنوب، عبر سياسة "التجويع والتعطيل الخدمي" لخلق حاضنة شعبية محبطة تقبل بأي حلول تضمن الاستقرار المعيشي المؤقت.

توقيع أي اتفاق يسلم الموارد السيادية والقرار الإداري لهياكل مشتركة تهيمن عليها عقلياً وسياسياً قوى الشمال، يعادل تماماً شرعنة "شرذمة الجنوب" من الداخل، وتحويله إلى ساحة مستباحة لنفوذ متبادل بين مليشيا الحوثي وبقايا منظومة 1994م.

الخطورة الحقيقية للمظلة الأممية في هذه التسوية تكمن في كونها تمنح صكاً دولياً لهذه العملية، فيما تبحث القوى الدولية عن استقرار هشّ يضمن تدفق التجارة ومكافحة الإرهاب، ولا يعنيها عدالة القضية الجنوبية.

وعندما تتماهى الرغبة السعودية مع الأجندة الأممية، يصبح القفز على تضحيات الجنوبيين وتفكيك قواتهم المسلحة أمراً واقعاً يُفرض تحت طائلة العقوبات الدولية. هذا السيناريو يعيد إنتاج النخبة الصنعانية في عدن، ولكن هذه المرة بصفة شرعية يوقع عليها الجنوبيون بأنفسهم مجبرين أو مخدوعين بوعود السلام الزائف.

ولمواجهة هذا التحدي المصيري، يجب أن ينتقل الوعي الجنوبي من مربع "رد الفعل" إلى مربع "الفعل الإستراتيجي". فالرهان على حسن النوايا الإقليمية قد سقط، والمطلوب اليوم هو تمسك صارم بالسيطرة على الأرض، ورفض قاطع لأي اتفاقات اقتصادية أو سياسية لا تضمن حق تقرير المصير كمسار مستقل تماماً عن أزمة الشمال.

وبات يجب على النخبة والحاضنة الشعبية إدراك أن القبول بالفتات في تسوية اليوم يعني خسارة الوجود في الغد؛ فالجنوب إما أن يكون شريكاً نداً بصياغة واضحة، أو سيتحول إلى جائزة ترضية تمنحها الرياض للمليشيات الحوثية.