بين عامين

انقضى عام 2018م راكضا بسرعة البرق رغم ما حمل من أحداث وفواعل ليست دائماً مبهجةً، ففيه استمرت الحروب وتواصل تراجع قيم الإنسانية النبيلة من وئام وتسامح وتعايش ورعاية للإنسان وحقوقه على المستوى العالمي، وفيه استمرت النزاعات المنطلقة من رذيلة الأنانية والطمع والتسابق على المصالح، وفيه تراجعت الكثير من الفضائل التي فاخرت بها المجتمعات المستقرة و(المتقدمة) أو (لنقل واصلت التراجع) ومؤشر كل هذا التراجع للفضيلة والتنامي للرذيلة تجسد بشكل ملموس، لم يعد قابل للجدال أو التبرير والتستر، تجسد في انتشار الأوبئة واتساع مساحة الفقر، وتنامي عدد المهددين بالموت جوعا وانهيار الخدمات الضرورية لحياة الإنسان، . . . . . أنا لا أتحدث عن اليمن وإن كانت تقدم النموذج الأشد فجاجةً ووضوحاً لكل هذه القرائن، لكن اليمن ليس إلا نموذجاً جلياً لحالة عالمية ميدانها البلدان الفقيرة وضعيفة النمو، وأبطالها في الغالب هم الممسكون بزمام الحكم في هذه البلدان الذين تتسع ثرواتهم وتتواصل ممتلكاتهم تضخماً وأرصدتهم البنكية تراكماً في حين يموت رعاياهم جوعاً ومرضاً وفقراً وبؤساً، وتشرداً واحتياجاً للأمن والماء والغذاء والدواء.
فماذا يحمل العام الجديد 2019؟
أنا متهم بالتفاؤل والتطلع إلى الأفضل وهي تهمة أعترف بها وأقر بارتكابها، لكنني لست مؤمنا بالتمنيات غير الواقعية، فإذا ما كنت قد تمنيت أمنيات طيبة لكثير من أهلي وأصدقائي وزملائي ومواطني بلادي ومتابعيي على شبكات التواصل الاجتماعي فإنما أفعل ذلك منطلقاً من حبي لهؤلاء وليس من التحليق في عوالم الفانتازيا واليوتوبيا التي تقوم على رسم الواقع المثالي المعالي عن مستوى العالم الواقعي، ثم الإصرار على إنه قائم أو قابل للتحقق.
لا أحد إلا ويتمنى أن يحل السلام والخير والعدل والرفاه والحب والتعايش والتسامح بين بني البشر، ومن باب أولى على مستوى الأوطان والبلدان والأمم، لكن التمنيات وحدها لا تكفي، فمعظم المتمنين لهذه القيم والمعاني لن يتخلوا عن تمنيات غير معلنة، كالتمني أن يكونوا أكثر ثراءً وأقدر امتلاكاً وأعلى قدرةً على الاستحواذ وأقوى من سواهم من المقربين والمبعدين عنهم، وقد لا يكون هذا المهم، لكن المهم أن كل تلك التمنيات لا تتحقق فقط بالجهد والمثابرة والابتكار، ناهيك عن الأمانة والاستقامة والنزاهة وغيرها من القيم التي لا يتحقق الثراء والكسب والاستحواذ عند الكثير منهم إلا بالتخلي عنها ومحاربتها، وهو ما يجعل تفاؤلنا واقعياً ومتواضعاً يكتفي بتمني الصحة والسعادة والتوفيق والوئام لمن نخاطبهم.
ومع ذلك نقول لكل الأحبة والأهل والأصدقاء والزملاء القدامى والجدد وكل من يعزون عليهم "كل عامٍ وأنتم بخير وليكن العام الجديد أقل قتامةً وظلماً وعشوائيةً وخوفاً وحروباً وفقراً، وأكثر صحةً وسعادةً ووئاماً وتعايشاً واستقراراً ومحبةً"
"وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ"