يافع روح المدنية والثورة والجنوب

عشر سنوات هي المسافة الزمنية الفاصلة بين زيارتي الأولى والثانية لمديريات يافع، ففي الزيارة الأولى دخلت يافع كمراسل تلفزيوني ينتمي لقضية لا تمتلك فضائية ولا صحيفة ولا حتى موقع الكتروني، ومدفوعا برغبة إبراز تأريخ وحضارة حميرية قديمة، باحثا عن سبق صحفي تلفزيوني، ولا أظن أن هنالك من سبقني إلى يافع بكاميرا تلفزيونية وثقت ١٥ تقريرا تلفزيونيا شملت كل مناحي الحياة، وقد كانت يافع وجهتي الرابعة، إذ سبقتها المهرة وسقطرى وحضرموت واعقبتها عدن وأبين، وبقت شبوة محطة مؤجلة حالت ما بيني وبينها ظروف الحرب، وتوقف نشاطي الإعلامي في قناة السعيدة.. هذه القناة التي فتحت لي أبوابها ومنحتني ثقة كبيرة وحرية بلا سقف في اختيار المواضيع والوجهات، ولن انسى ذلك الفضل كل العمر، وحين ذلك كانت يافع تخطط لطرد الغزاة من جبل العر في مديرية الحد، وفي الزيارة الثانية دخلت يافع احمل مشروع قناة تلفزيونية جنوبية مع عشرة صحفيين جنوبيين يمثلون عددا من الصحف والمواقع الجنوبية المنتمية للقضية اما يافع فقد أصبحت محررة بالكامل، بل والجنوب عامة.

لن اتحدث هذه المرة عن يافع كتأريخ وحضارة
ولا عن جمال الطبيعة وتداخل السحاب مع شواهق القصور ذات الطراز المعماري الفريد والنادر ، ولا عن كرم الإنسان وطيب اصله، بل سأتحدث عن قيم مدنية عسكتها صورة.. الصورة لعشرات الالاف من المواطنين كانوا قد توافدوا من كل حدب وصوب إلى قلب عاصمتهم لبعوس لحضور نهائي كأس الفقيد قاسم الحوثري.

هذه هي يافع القرية التي صدّرت المدنية إلى كل اصقاع الأرض عبر هجرات داخلية وخارجية، قديمة وحديثة، وليافع وجود مالي وتجاري واستثماري في أوربا وامريكا وشرق اسياء وكل دول الجزيرة العربية.

تختزل هذه الصورة كل معاني المدنية فهي وعوضا عن كونها تظاهرة رياضية تعبر في المقام الأول عن روح مدنية اصيلة تسكن افئدة أهل يافع هي أي الصورة لوحة عكست روحا ثورية ونضالية تجسدت من خلال أعلام واهازيج جنوبية صدحت بها كل الجموع طوال زمن المباراة.. الجموع وعلى اختلاف انتماءتهم الرياضية إلا انها توحدت في هتاف (بالروح بالدم نفديك يا جنوب) ، وهذه رسالة مفادها بأن الجنوب هو الثابت الوحيد الذي لا يمكن الاختلاف حوله.

الوفاء لوحة أخرى تجلت من خلال عنوان البطولة التي حملت اسم الشهيد قاسم الحوثري، ذلك أن الوفاء للشهداء ممن قدموا أرواحهم في سبيل قضية عادلة بحجم القضية الجنوبية يعد قيمة أخرى من قيم المدنية التي صدرتها لنا يافع في هذه الصورة.

يافع التي يحلو للبعض بتسميتها قرية كنوع من المناكفة السياسية، هي روح المدنية وقلبها النابض، هي في الحقيقة وجدان الثورة الجنوبية منذ الانطلاقة الأولى في العام ٢٠٠٧م، وما قبل ذلك كانت يافع ثورة شعر وأدب تجلت من خلال اشعار الخالدي وثابت عوض.. تلك المساجلات الشعرية كان لها الفضل في تشكيل وعينا الثوري نحن الجيل الذي فتح عينيه على احتلال ولم يرى بعينه دولته، لاسيما وأن المحتل حاول بشتى السبل طمس تأريخه ومصاردة هويته.

وانا أودع يافع وجدت صعوبة شاقة في لملمت نظراتي من سفوح وبطون تلك الجبال المطرزة بقصور تعوم فوق السحاب كأنها الزمرد، وكاد القلب أن يتمرد وبأن لا يغادر يافع.. سألت نفسي وانا انحدر نزولا من مديرية يهر- وهي بحسب مصادر تأريخية موطن الملك الحميري شمريهرعش- إذا كانت يافع الشعر والرياضة والثورة ورأس المال، وقبل ذلك التأريخ والحضارة قرية، فماذا يمكن أن نسمي مناطق هناك في الشمال ما تزال تحل مشاكلها بالعرف القبلي وتفتدي البشر بالاثوار (الجواميس).

التعليقات