لماذا يرفضون الاعتراف بالقضية الجنوبية؟

يتحدث السعوديون عن عدالة القضية الجنوبية، لكنهم لا يعترفون بها. فلم يعترف أي مسؤول سعودي بالقضية الجنوبية حتى اللحظة، وهناك فرق بين الحديث عن عدالة قضية وطنية وبين الاعتراف بها. فلماذا لا يعترف السعوديون بالقضية الجنوبية؟.
كل ما يقوله السعوديون مجرد أحاديث وتصريحات وتدوينات على منصة إكس، لكن الاعتراف هو ما جاء على لسان وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان: "معالجة القضية الجنوبية بالوظائف والحصول على جزء من موارد الجنوب، التي سيذهب الجزء الأكبر منها للحوثيين الموالين لإيران عقب التسوية".
وزير الدفاع السعودي قال للجنوبيين المتواجدين في الرياض: "أي حل لقضية الجنوب ما دون الاستقلال الوطني مقبول، دون ذلك يعني أن حضرموت والمهرة وشبوة تريد دولة، سنعارضه وسنفشله حتى لو وقفنا ضد العالم كله".. هذا حديث بن سلمان، وتحدث به إلى مجموعة من الجنوبيين، وأتحدى من يخرج وينفي هذا الكلام.
قبل أيام قليلة كنت أتحدث مع أحد المسؤولين اليمنيين السابقين، قال لي إن وزير الدفاع السعودي تحدث إلى يمنيين من أصحاب مشروع "اليمن الكبير"، وأبلغهم أن المرحلة القادمة تقتضي تفكيك القوات الجنوبية وإضعاف الحاضنة الشعبية الجنوبية، حتى تأتي مرحلة فرض مشروع تسوية سياسية يكون الجنوب ممثلاً فيها ببعض الحقائب الوزارية؛ في توجه سعودي على ان تفكيك الحاضنة الجنوبية لن يتم الا بافتعال اقتتال أهلي بين قبائل محافظة لحج تحديدا، وما محاولة اغتيال حمدي شكري، الا مؤشر على هذا التوجه الخطير.
ما الذي يمكن أن يحدث مستقبلاً في الجنوب؟ تصاعد الاغتيالات والاستهداف للقيادات الأمنية والعسكرية والمدنية والسياسية؟ ملاحقة واعتقال الناشطين، وتجريف عدن والجنوب من كل صوت يرفض الهيمنة والوصاية الجديدة، حتى يأتي الدور السعودي لتمهيد الأرضية أمام تقاسم نفوذ مع وكلاء إيران في اليمن؟
صحيح أن السعوديين يقدمون ثلاثة وعود: للجنوبيين بدعم حل القضية الجنوبية (دون اعتراف)، ولكن بمشروع "أقل سقفاً من الاستقلال"، وآخر للإخوان بإضعاف الحوثيين والسماح لقيادات الإخوان وجيش الفرقة بالعودة إلى صنعاء، ووعد ثالث للحوثيين بأنهم سيسلمون اليمن لهم مقابل تخفيف تكلفة تبعات الحرب السعودية على اليمن اقتصادياً وعسكرياً.
في هذه المرحلة، من هو الطرف الأقوى الذي سيجبر الحكومة السعودية على التماهي معه؟ هل هناك اعتقاد سعودي سائد بأن الجنوب يعيش وقع الانكسار العسكري؟ وجماعة الإخوان مشغولة بالهيمنة على الجنوب ولا تنظر إلى مستقبل الشمال على الإطلاق، فهي ترى أنها أداة سعودية تحركها الرياض وفق ما تريده.
أما جماعة الحوثيين، فمهما ضعف النظام الإيراني، فلديها القدرة على إجبار السعوديين، تحت رحمة الصواريخ والعمليات الانغماسية، على تبني المشروع الحوثي وتمكينه من كامل المحافظات المحررة.
لا توجد حتى اللحظة أي بوادر سعودية للتهدئة تجاه الجنوب، إدراكاً منهم أن الجنوب لا يزال قوياً وصعب الهضم. لكن هناك مدخل للنظام السعودي من خلال الإعلام، الذي لا يزال يحرض ليل نهار، ويقدم سردية مغلوطة، ويعمل مع أذرعه المحلية على إيجاد انقسام مناطقي بين يافع والضالع والصبيحة وردفان، إلى درجة أن اللجان الإلكترونية الممولة سعودياً ترى أن المشكلة في "مثلث محافظة لحج"، وهو أمر يجب التصدي له بقوة وعزم، فذلك المثلث ركيزة أساسية للوطن الجنوبي.
رفض السعوديون مطالب تقدم بها عضو مجلس القيادة الرئاسي، قائد قوات العمالقة الجنوبية اللواء عبدالرحمن المحرمي، بانتشال جثث شهداء القوات الجنوبية في حضرموت، والإفراج عن الأسرى الجنوبيين الذين تم نقلهم إلى سجون مأرب اليمنية وشرورة السعودية، في حين لا تزال الأزمات المعيشية وتأخر صرف المرتبات مستمرة، على الرغم من أن السعودية أصبحت تدير البلاد بسلطة الأمر الواقع.
ما الذي يمكن أن ننتظره من السعوديين اليوم، وهم يواصلون التصعيد، ويزجون بالمتظاهرين في السجون، ويلاحقون الصحافيين والناشطين، ويغلقون وسائل الإعلام المحلية، ويريدون فرض سردية تقوم على تبرير الحرب والهيمنة والوصاية القائمة، التي يعتقد السعوديون أنها لن تدوم إلا بزرع الانقسام والشقاق في الداخل الجنوبي؟ وهو ما نلاحظه في بعض تدوينات اللجان الإلكترونية من قبيل "قبائل الصبيحة ويافع وردفان والضالع"، وكأن هذا المثلث لن يتفكك إلا بزرع اقتتال أهلي بين قبائله. لكن ذلك لن يحدث مهما كانت الأموال التي تُصرف على تمرير سردية افتعال اقتتال أهلي في الجنوب.