مواجهة الإرادة الشعبية بالقوة المفرطة ليس حلاً

ما حدث اليوم من استخدام مفرط للقوة ضد مسيرة سلمية بالمكلا، تعبر عن موقف شعبي من المستجدات الأخيرة، فعل إجرامي لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، وهو جرم سبق المسيرة بساعات بتدفق تلك القوات الأمنية المدججة بالسلاح، وكأنها في الطريق إلى الجبهة لمواجهة عدو خارجي، وليس مواطنين مدنيين عزل من حقهم أن يعبروا عن رأيهم بالطرق السلمية.

هل توحشت السلطة المحلية في الإجراء، إلى هذا الحد، ضاربةً عرض الحائط الأخلاقي، فشيطنت متظاهرين حضارم، حتى كأن ليس من حقهم أن يخرجوا إلى شوارع مدينتهم التي إليها ينتمون، وشهدت مسيراتهم وتظاهراتهم واحتجاجاتهم طوال ثلاثة عقود، ولا يمكن محوها برغبة سلطةٍ لا تملك من قرارها سوى أن تقمع وتواجه الشعب بالقوة، لإرضاء آمريها!

إن الحلول الأمنية لن تجدي، وقد أثبتت التجارب أن قمع الإرادة والصوت لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وفتح المسار على كل احتمالات قاسية.
وللأسف، لم تكن السلطة بمستوى اللحظة الاستثنائية وتحدياتها، وإذ اتخذت المواجهة بالرصاص الحي وسيلة، فقد أباحت الدماء، حتى ارتقى من المتظاهرين شهداء، وسقط جرحى من شباب حضرموت برصاص لجنة أمنية حضرمية الاسم مؤتمرة بأوامر من لا يريدون بحضرموت خيراً، وهم مما حدث ويحدث المستفيدون.

لم يخرج هؤلاء المواطنون الأحرار العُزل لإثارة الفوضى، أو الشغب، بل هم أحرص على النظام لكن ليس بالقبول باستلاب الإرادة الشعبية، واختطاف قرارها لمصلحة قوى أثبتت الأحداث أنها تستهدف حق حضرموت في السيادة والإدارة الحرة، بلا إملاءات أو تبعية.
إن الإشكال القائم سياسي، ولم يكن وليد اللحظة، وليس تنفيذاً لأجندات من هنا أو هناك. بل هو اصطفاف إرادة حرة بمواجهة إدارة طارئة تعيد إنتاج نظام ما قبل 2011 بواجهة حضرمية، في محاولة لتكريس (يمننة سياسية) مرفوضة شعبياً. ولذلك فهي - أي الإدارة الطارئة - لا تحظى برضا أو قبول شعبي واسع، خاصةً بعد شيطنتها كل ما هو مناوئ للوضع الطارئ، المُدار من الخارج.

أثق، كمواطن مستقل، أن في حضرموت من العقلاء، في السلطة وخارجها، وعليهم تقع مسؤولية إدارة الاختلاف بحكمة وجدية، وضبط عيار الحلول، بحيث لا تستسهل السلطة الحلول الأمنية الفاشلة، أو تستهين بدم الشعب، أوحقه في التعبير السلمي عن موقفه الوطني الحر، وعدم إلصاق التهم الجاهزة بحق من يقول لا، في اللحظة التي يجب أن يقول فيها لا بحجم الإرادة الشعبية.

بعد أحداث اليوم الدامية في مدينة المكلا المسالمة، لابد من تحقيق شفاف، ومحايد، وليس على طريقة البيان الأمني الذي يشيطن الضحية ويدينها، بدم بارد، وعلى المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية أن تحقق في ما جرى، وتنهض بدورها في حماية المدنيين وحقهم في التظاهر السلمي، وإدانة الاستقواء بالسلاح، واستخدام القوة المفرطة، في سابقة خطيرة لم تشهد لها المكلا مثيلاً إلا في عهد الأمن المركزي اليمني المجرم.

سعيد الجريري
السبت: 4 إبريل 2026