بين المعاشيق و مجلس الأمن.. اختبار الواقع

ذهبت "الشرعية" مؤخراً إلى مجلس الأمن تشكو المجلس الانتقالي، بعد خروجه من معسكرها بنحو نصف عام، باعتباره أحد أسباب تعثر العملية السياسية. لكن مرور الوقت يكشف أن استهداف الانتقالي لم يكن جسراً نحو استعادة صنعاء كما رُوِّج لسنوات، بقدر ما كان تمهيداً لمسار سياسي يتجاوز قضية الجنوب ويحاول تحييدها من معادلات التسوية القادمة. وهو ما يعزز القناعة بأن سلاح التخوين سيبقى جاهزاً في مواجهة كل من يتمسك بحقوق الجنوب أو يرفع مطالبه السياسية.

والأكثر دلالة أن هذه التحركات لا تبدو منفصلة عن إرادة الراعي الخارجي الذي خسر عاصفته العسكرية بصورة جعلتها واحدة من أكثر تجارب الحروب إثارة للجدل، حتى بات عدو الأمس، بعد تنامي قوته، شريكاً مقبولاً، وتحولت أولويات الصراع وفقاً لتحولات ميزان القوة والمصالح وليس وفقاً للشعارات التي رُفعت سابقاً.

اليوم، لم يعد المجلس الانتقالي شريكاً في معسكر "الشرعية"، ولم يعد جزءاً من المشهد الرسمي الذي كانت تُعلق عليه الإخفاقات. لقد أصبح المسرح مكشوفاً أمام الجميع، وبات من حق الناس أن يسألوا: ماذا تحقق بعد إبعاده؟ وماذا أُنجز في الملفات التي قيل إن وجوده كان العائق الرئيسي أمام حلها؟

هل استقامت العملية السياسية على ساقيها؟ وهل انتهت ولو نسبياً أزمة الخدمات؟ وهل تورد الإيرادات كاملة إلى خزائن الدولة، وهل كُشفت الحقائق في القضايا التي شغلت الرأي العام لسنوات؟ وهل جرى إعداد الجيوش التي وُعد الناس بها لتحرير المركز المقدس؟

إن الشعب الذي سكبت على مسامعه شلالات من الاخبار والاثارات السياسية ليس شعباً بلا ذاكرة وليس من سكان جزيرة بورا بورا. إنه شعب يتذكر جيداً ما قيل له. ومع كل يوم يمر، يتكشف جانب جديد من حجم التضليل الذي مارسته دوائر متعددة. فكثير من الروايات التي هيمنت على وعي الناس تآكلت اليوم أمام اختبار الواقع.

أين الرئاسة اليوم؟ ولماذا لا تتحد على الارض، لتفتح "تابوت العهد" وتُخرج الوصايا العشر التي طال انتظارها؟ أليست هي، من حيث المبدأ، الجهة التي يفترض أن تشرف على العملية السياسية وعلى الحرب والسلام من الأرض وليس من خلف ستار فضائي؟

لكن يبدو أن شيئاً جوهرياً لن يتغير قبل اتضاح مآلات مسار التفاهمات بين الرياض وصنعاء. وحتى ذلك الحين ستبقى "الشرعية" أقرب إلى أداة قابلة لإعادة التوظيف وفق مقتضيات المرحلة، فيما تستمر امتيازات النخب التابعة لها في التوسع بعيداً عن معاناة الناس.

وبين قمرة الرئاسة في بلد الوصاية، و لوكاندة المعاشيق في عدن الجريحة، يتكدس وطن منهك في زوايا البؤس والانتظار. أما الرهان على مجلس الأمن وضغوطه الجديدة فلن يفضي إلا إلى مزيد من التعقيد. فقد أصدر المجلس قرارات عدة بشأن اليمن، وحضر رئيسه وأعضاؤه إلى صنعاء عام 2013 وعقدوا جلسات استثنائية، لكن أثر تلك القرارات والتحركات تلاشى سريعاً أمام موازين القوة ووقائع الصراع على الأرض.

واليوم لم تعد "الشرعية" في نظر كثير من الفاعلين الدوليين سوى طرف من أطراف الأزمة اليمنية، لا ممثلاً حصرياً لها. أما القضايا الكبرى المتعلقة بالحرب والسلام وإدارة الدولة ومستقبل البلاد، فستظل معلقة إلى أن يتفق الآخرون عليها.