هل حقاً أن الجنوب هو من يحكم اليمن؟2

كنا في في ضيافة أحد الإخوة المغتربين وكان معنا زميلين من البرلمانييين المتّزنين حديثاً وأخلاقاً وهم ممن التحقوا مؤخراً بصف الشرعية، وطبعاً لم يكن ممكناً أن يمر الحديث دون التطرق لموقف المجلس الانتقالي من الأزمة اليمنية والقضية الجنوبية بشكل خاص.
قال الزميل (م): نحن نعرض عليكم أن تحكموا اليمن كلها شمالاً وجنوباً وأنتم تصرون على أن تحكموا الجنوب وحده، فأي الخيارين أفضل لكم؟
لكن الزميل (ل) قاطعه بقوله: قاهم يحكمون اليمن كله، شمال وجنوب، وما نحن إلآ من رعاياهم.
قلت للزميلين: دعونا نناقش حكاية "أن الجنوبيين يحكمون اليمن"؛ فأولاً نحن لا ننكر أن الرئيس من الجنوب، ونحن نكن له الاحترام كرئيس منتخب من قبلكم، لأن الجنوبييين لم يشاركوا في انتخابه، ليس لأنهم ضده، لكن لأن الانتخابات جاءت في أجواء كان النظام يمارس ضدهم أسوأ أنواع التمييز والقمع والحرمان والتنكيل، وكانت نتائج حرب 1994م ما تزال هراوةً مشهرةً في وجوههم كلما تحدثوا عن قضيتهم العادلة، وللأسف ما تزال هذه النتائج قائمة، وفي ظل وجود الرئيس الجنوبي.
لقد كان إلى جانب الرئيس نائب رئيسٍ جنوبي، ورئيس وزراءٍ جنوبي، ووزير دفاعٍ جنوبي ومحافظ البنك المركزي وحوالي نصف الوزراء جنوبيي الأصل، لكن هل كانوا هم من يحكم البلد؟ هل كانوا حقاً هم من يتخذ القرار، حتى على مستوى وزاراتهم والإدارات التي يرأسونها؟ ثم هل الجنوب هو من أتى بهؤلاء القادة الجنوبيين، وفوضهم لهذا المهمات؟ أم أنهم (مع كل الاحترام الذي نكنه لهم) أتوا من خارج الإرادة الجنوبية.
إنني أحدثك عن زمن كان هؤلاء فعلا في المواقع التي أشرت لها، قبل أن يعين فيها زملاءٌهم الشماليون، ومع ذلك فإن خلافنا ليس على حصة الجنوب ولا حتى على أن يحكم الجنوبيون الشمال، فأنتم تعلمون أن الجنوب ليس لديه نزعة الغزو والهيمنة وهو الذي عانى أقسى المرارات مع الغزوات والهيمنة من البعيدين والقريبين.
الجنوب لا يريد أن يحكم الشمال حتى لو طالبه الشماليون بذلك، لكنه يريد استعادة أرضه ودولته، وثروته وتاريخه وهويته، من خلال صفقة سياسية بين الشمال والجنوب، الذين فشلا في إقامة دولة واحدة، لا بالتوافق ولا بالحرب والإكراه.
نحن نريد أن نصحح خطيئة 1990م التي أنتجت كل هذه الضغائن والكراهيات والأحقاد، وكل هذه الشلالات من الدماء وكل هذه الأرواح التي تزهق كل يوم، ونعود إلى ذلك الوضع الجميل الذي كان الشمالي يأخذ الجنوبي بالأحضان بمجرد اللقاء بينهما في أي بقعة على الأرض، وكان الجنوبي ينظر إلى شقيقه الشمالي كما ينظر إلى شقيقه الخليجي أو المصري أو الشامي وغيرهم، نريد العودة إلى وضع الدولتين الشقيقتين المتعاونتين الشريكتين في المصير والتاريخ، في الماضي والمستقبل، وليس في العقود الثلاثة المقيته (الأخيرة) التي لم تنتج إلى الفشل والبغضاء والعودة القهقرى إلى القرون الوسطى.

التعليقات