همس اليراع

بصراحة وهدوء . . . عن المرجعيات الثلاث (5 والأخيرة)

كما وعدنا في منشورنا السابق سنتوقف هذه المرة عند التأكيد الذي جرى على ألسنة الكثير من الأصدقاء والأشقاء بما في ذلك بعض ممثلي المنظمات الدولية، والمتضمن "التأكيد على وحدة اليمن واستقراره" وهو تعبير قد صار من مستلزمات الديكورات اللغوية التي تقال أوتوماتيكيا كلازمة شكلية عند كل حديث عن اليمن ومآسيها وما أوصلها إليه فشل الطبقة السياسية التي غدت عبئا ثقيلا على شعبها وعلى أشقائه وأصدقائه وحتى على المجتمع الدولي ومنظماته المختلفة.
قضية "وحدة اليمن واستقراره" ليست حكراً على قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، بل إنها تكاد تنتشر في كل ما ينطقه الكثير من السياسيين عن اليمن إلى درجة أنها تنط بطريقة أوتوماتيكية في كل ورقة أو خطاب أو وثيقة أو بيان سياسي يذكر فيه اسم اليمن، لكن المشكلة تكمن في أن من يصيغون تلك الأوراق والوثائق والخاطابات والبيانات لا يعيشون الوقائع على الأرض وإنما يتصرفون كالشاعر الذي يتغزل بمعشوقٍ مجهولٍ خياليٍ لا وجود له على الأرض وإنما يتم صنعه تخيلياً ثم يصيغ الشاعر قصيدته عن مفاتن وجماليات ومحاسن ذلك المعشوق الافتراضي. 
وبلغة الواقع المعاش فإن اليمن لا تعرف ولا يبدو أنها ستعرف قريباً استقراراً حقيقياً ناهيك عن أنها لم تعرف ولن تعرف وحدةً من ذلك النوع الذي حلم به الحالمون وناضل من أجله المناضلون وتغزل به المتغزلون.
منذ أكثر من سنة كان كاتب هذه السطور قد أشار مراراً من خلال منشورات ومقالات ومقابلات تلفيزيونية وإذاعية إلى أن "وحدة اليمن واستقراره" هما نقيضان لا يجتمعان معاً في مكانٍ وزمانٍ واحد، وأن "الوحدة تمثل التهديد الرئيسي للاستقرار، والاستقرار هو الخصم اللدود لـ"الوحدة""، ذلك ببساطة لأن "الوحدة" اقترنت بالنزاع والتصادم والحرب منذ يومها الأول، ولأن الاستقرار الوحيد الذي عرفه اليمنيون ذات زمنٍ لم يكن إلا عندما كانوا دولتين جارتين، فبرغم التوترات والاحتكاكات والمواجهات التي كانت تشهدها مناطق الحدود بين الدولتين خلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وحتى في عهد الاستعمار والإمامة، فإن حرباً شاملةً وتدميريةً لم تحصل قط بين الطرفين بل لقد كانت تلي كل مواجهة مسلحة اتفاقات ومجاملات وزيارات متبادلة تسفر عن هدوء وتطبيع للأوضاع يصل إلى سنوات، لكن حربي 1994م 2015 على الجنوب لم تكونا نزاعاً حدودياً يمكن معالجته بلقاء ودي بين رعيمي الطرفين المتنازعين، بل كانتا حربي غزو واحتلال وقتل وتدمير وسلب ونهب وقد اقترنتا بما اعتقد المعتدون أنه "وحدة اليمن"، وهو ما شطب من الذهنية الجنوبية كل ما يمكن أن يكون قد تبقى من حلم ضئيل يتعلق بإمكانية بقاء دولة يمنية واحدة ولو حتى فيدرالية أو كونفيدرالية كما كرس لدى الكثير من الساسة وحتى بعض المواطنين الشماليين أن "الوحدة" لن تكون إلا بالحرب ولن تحمى إلا بقوة السلاح.
الحديث في ثنائية "وحدة اليمن واستقراره" يمكن أن يطول ويطول وقد نتوقف عنده في مناسبات قادمة، لكن الخلاصة يمكن تكثيفها في عبارة مختصرة وهي "إن لا استقرار مع الوحدة ولا وحدة مع الاستقرار"، فإما الوحدة من خلال الحرب وأقلها الاضطرابات والمواجهات والنزاعات المصحوبة بالقتل وإراقة الدماء وتهديد السلاح والنار وإما استقرار في ظل دولتين شقيقتين جارتين متعايشتين ومتكاملتين، وشريكتين في العديد من ميادين التعاون، والخيار لصناع القرار من اليمنيين والأشقاء والأصدقاء.