همس اليراع

الشرعية والانقلاب . . . صراع المقومات

اليمن بلاد المفارقات حيث يبدو المنطق والعقل في مكان والوقائع على الأرض في مكان آخر مضاد تماماً في كثير من الأحيان، وكان كاتب هذه السطور قد تناول عدة ظواهر أسميتها بـ"السريالية السياسة" حينما يكون الصواب هو المغيب والمذموم والخطأ هو السائد والممدوح وربما المرغوب، ويمكن القياس على ذلك كل مرادفات الصواب كالحق والخير والجمال وبقية المفردات المتعارف عليها في علم الأخلاق في قائمة الفضائل وما يقابلها من مرادفات وقرائن الخطأ المدونة في قائمة الرذائل (مع الاخذ بالاعتبار الطابع النسبي لمفردتي الفضيلة والرذيلة).
الانقلاب وهو رديف الخطأ َوالشر والباطل والقبح يتعزز على الأرض يوماً بعد يوم ويكتسب المزيد من المساحات والأنصار بينما تتراجع الشرعية وهي صاحبة الحق يوماً عن يوم وتخسر المزيد من المساحات والأنصار وحتى عند ما تكسب أنصاراً فلا يمثلون سوى تلك المواد المعاد تدويرها بعد أن لفظها الانقلابيون رغم ما قدمت لهم من خدمات، ومثل هذا المكسب هو خسارة معنوية وأخلاقية كاملة الأركان.
لماذا يتماسك الانقلابيون ويستميتون، في حين يخسر الشرعيون ويتراجعون؟
يتهيأ لي ان هذا السؤال قد راود العديد من المفكرين والباحثين لكن بحثه بصورة دقيقة ومعمقة لم يتم بما يكفي أو كما ينبغي.
لا يراودني شك في شرعية الرئيس عبدر به منصور هادي كرئيس للجمهورية اليمنية، ولا ينتقص من هذه الشرعية أن انتخابه جاء بما يشبه الاستفتاء، ولا إنه لم ينتخب في محافظات الجنوب ولا حتى ان فترة رئاسته قد انتهت منذ نحو خمس سنوات، فهذه كلها عوامل تتصل بتعقيدات الوضع السياسي الموروث والقائم، لكن المشروعية شيء ومقومات البقاء والصيرورة والاستمرارية شيئٌ آخر مختلف.
ما يتحكم في صراع الشرعية والانقلاب ليس المشروعية ولا الأحقية أو عدمهما، بل هو مقومات البقاء والاستمرارية أو عدمها، وهو ما يترك الأسئلة المتعلقة بمستقبل هذا الصراع مفتوحة على مصاريعها، ويبرز في مقدمة هذه الأسئلة سؤالان جوهريان: الأول وهو لماذا استمات الانقلابيون واستبسلوا حتى صار المبعوث الأممي يمضي معهم اتفاقات ثنائية (الحديدة نموذجاً) دونما حاجة لإشراك الطرف الآخر في الصراع (الشرعية)؟ والسؤال الثاني وفي ضوء الإجابة على السؤال الأول، ما هو مستقبل التسوية السياسية للصراع اليمني؟ وما هي ملامح مثل تلك التسوية إن وجدت؟
ذلك ما سنحاول سنتناوله في وقفة قادمة.

ــــــــــــــــــــــــ

من صفحة الكاتب على فيسبوك

التعليقات